واجه مبتورو الأطراف في قطاع غزة تحديات كبيرة، في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال المواد الخام لتصنيع الأطراف الصناعية، ما يُدخلهم في مرحلة انتظار إضافية قبل الاندماج في حياتهم الجديدة التي فرضتها عليهم الإصابة، رغم أن كثيرين منهم خضعوا لمرحلة التأهيل، وباتت أجسادهم جاهزة لاستقبال الطرف الصناعي.
يعيش آلاف الفلسطينيين الذين تعرّضوا إلى بتر الأطراف في قطاع غزة ظروفاً صحية ونفسية صعبة، ويواجهون تحديات مختلفة أثناء التأهيل النفسي والجسدي نتيجة نقص الدواء والعلاج وغياب الإمكانات، خصوصاً مع منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال المواد اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، ومنع سفرهم لاستكمال العلاج.
وسجّل قطاع غزة نحو خمسة آلاف حالة بتر أطراف خلال حرب الإبادة الأخيرة، قرابة 950 منها لأطفال، بنسبة 19%، إضافة إلى 11% من النساء، و12% من كبار السن، و58% من الرجال البالغين، فضلاً عن نحو 12 ألف مصاب بكسور معقّدة، وتشمل إصاباتهم تهتك العظام والأنسجة والعضلات، وهم يعانون من مضاعفات صحية قد تؤدي إلى فقدان الأطراف في ظل النقص الحادّ في المستلزمات الطبية والكوادر الصحية.
فقدت الفلسطينية شروق أبو سكران (25 سنة) قدمها اليمنى في قصف جيش الاحتلال شقتها السكنية في 31 أغسطس/آب 2024، حيث استشهد عدد من أفراد عائلة زوجها، وخلّفت الإصابة نقصاً في العظام بمقدار 16 سم في قدمها اليسرى، ورغم صدور تحويلة عاجلة للسفر لاستكمال العلاج بغرض إنقاذ القدم من البتر، فإنها لم تسافر، نتيجة آلية السفر البطيئة التي توفر مغادرة عدد يومي محدود جداً من الجرحى والمرضى.
ظلت أبو سكران تتمسك بأمل الحفاظ على قدمها والسفر للعلاج، لكن طول فترة الانتظار أدى إلى تفاقم حالتها الصحية، ليقرر الأطباء بتر قدمها. يقول شقيقها رمضان لـ"العربي الجديد": "كان علاج قدمها صعباً، رغم أن العضلات والأوعية والشرايين كانت لا تزال متصلة، وجرى تركيب جهاز مثبت عظام (بلاتين) لها، لكن تأخير سفرها لنحو سنتين فاقم الحالة، ودخلت في مرحلة تسوّس العظام، فضلاً عن التهابات حادة، فاتخذ الأطباء قرار بتر القدم، لتصبح حالياً بلا قدمين".
داخل أحد ممرات قسم التأهيل في مستشفى حمد التخصصي الواقع شمال غربي مدينة غزة، كان مبتور الطرفين فايز النمر (32 سنة) يجلس على كرسي متحرك تدفعه ابنته المرافقة له خلال جلسة التأهيل والعلاج الطبيعي التي جرى خلالها أخذ قياس للقدمين تمهيداً لتركيب طرفين صناعيين حال توفّرهما.
يخضع النمر منذ سبعة أشهر لجلسات التأهيل بواقع ثلاثة أيام في كل أسبوعين، ويواجه صعوبة كبيرة في الوصول إلى المشفى، في ظل تدمير الاحتلال الشوارع، ما يؤدي إلى تعثر عجلات الكرسي المتحرك أثناء محاولات الوصول، ما دفع المشفى أخيراً إلى توفير وسيلة نقل للمرضى، خففت عنه بعض المعاناة، لكنه يشعر بالإحباط نتيجة تأخر تركيب الطرف الذي يعتبره "حقاً بسيطاً" لتعويضه عن فقدان طرفه.
ويحكي النمر لـ"العربي الجديد": "أُصبت في 26 أغسطس 2025، حينها كنت نائماً، وفوجئت بصاروخ يسقط فوق البيت، وبُترت قدمي اليمنى بعد القصف، وبعد شهر ونصف تقريباً بُترت القدم اليسرى نتيجة وجود نقص بمقدار 20 سم في العظام. خضعت لجلسات علاج عدة، وعلى إثر ذلك صرت أعتمد على نفسي بنسبة كبيرة، وأخضع حالياً لجلسات الدعم النفسي التي تركز على جوانب حياتية متعددة، ولجلسات العلاج الطبيعي التي يوفرها قسم التأهيل المجهز بأحدث الأدوات والمعدات المساعدة والعلاج بالكهرباء، وتوفير صالة تدريب لتأهيل الجسد قبل تركيب الطرف وبعده. يخفف بتر القدم اليسرى من أسفل الركبة عملية الاندماج مع الطرف، مقارنة بقدمي اليمنى المبتورة من فوق الركبة، وقد بات تركيب الطرفين أملي للاعتماد على نفسي كلياً".
ويشير رئيس قسم الأطراف الصناعية بمستشفى حمد التخصصي، أحمد العبسي، إلى أنه مع إعادة افتتاح قسم التأهيل في بداية عام 2025، استقبل عدداً كبيراً من حالات البتر التي توافدت عليه للاستفادة من خدمات التأهيل الشامل قبل تركيب الطرف الصناعي، واستطاع القسم تركيب 130 طرفاً صناعياً بالفعل من المخزون الموجود لديه من قبل اندلاع حرب الإبادة، بينما لم تُركّب أطراف جديدة نتيجة منع الاحتلال إدخال المواد الخام اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، ويوجد حالياً نحو 500 شخص ينتظرون تركيب الطرف الصناعي بعدما أنهوا عملية التأهيل.
ويروي العبسي لـ"العربي الجديد" أن "حالات البتر الجديدة التي حدثت خلال العدوان الإسرائيلي توزعت على مراكز عدة تقدم خدمات الرعاية والتأهيل، وحالات أخرى سافرت، وحالات لم تستطع الحضور إلى المراكز نتيجة الوضع الاقتصادي، أو صعوبات التنقل. لحظة وصول الحالة إلى المركز يُجرى تقييم أولي في العيادة التي يشرف عليها أطباء عظام وأطراف وعلاج طبيعي، لمعرفة احتياجات الحالة من الخدمات والتأهيل، ونبذل الكثير من المساعي مع منظمات دولية لإدخال مواد خام لصنع الأطراف الصناعية محتجزة على المعابر".
ويؤكد أن "مرحلة التأهيل تختلف من مريض إلى آخر، بحسب نوع البتر، وهل هو في قدم واحدة أو في القدمين، وقبل تركيب الطرف يخضع المصاب لثلاثة أشهر من التأهيل، ثم تبدأ مرحلة تأهيل الفرد بعد تركيب الطرف، وهي تستمر لمدة شهر لإكسابه الثقة بالنفس. يقدم المشفى خدمات أطراف صناعية على مستوى عالٍ من الجودة، وقسم التأهيل مجهز بأحدث الإمكانات، ويضم صالة تدريب مجهزة بالكامل تستخدم في تأهيل المصاب على الأسطح المستوية وغير المستوية، والكثير من الأجهزة المساعدة، حتى يكون قادراً على استخدام الطرف، كما يضم ورشة تصنيع مجهزة بإمكانات عالية تستطيع تلبية متطلبات العدد الكبير من الحالات، لكن منع إدخال المواد اللازمة لتصنيع الأطراف يحصر عملها في الصيانة وتعديل الأطراف الموجودة".
داخل صالة التدريب في قسم التأهيل، يجلس المصاب محمد مطر (33 سنة) بعدما أنهى حصة التدريب على الأجهزة المساعدة والأسطح غير المستوية، وهو ينتظر بشغف تركيب طرف صناعي لقدمه اليسرى المبتورة. ويروي لـ"العربي الجديد": "أصبت في 25 سبتمبر/ أيلول 2025، خلال انفجار وقع أثناء سيري في مدينة دير البلح، وبُترت القدم في لحظة الانفجار، كما فقدت النظر في عيني اليمنى وتضررت قرنية العين اليسرى. عانيت في البداية من غياب المسكنات، وبعد التئام الجرح بشهر، بدأت مرحلة تأهيل القدم المبتورة، وأصبحت جاهزة لتركيب الطرف الصناعي منذ ثلاثة أسابيع، لكن لا توجد أطراف متوفرة، ولا مواد خام للتصنيع، ما يُبقيني منتظراً".
وفيما يراقب مصابين يتدربون على أطراف صناعية، يضيف مطر: "امتدت مرحلة التأهيل لنحو أربعة أشهر، وكنت أدفع خلالها تكاليف المواصلات، كون الشوارع مدمرة، والمشفى بعيداً عن مركز الإيواء الذي أسكن فيه، فكنت أذهب بسيارة خاصة لأنه لا يمكنني السير بالكرسي المتحرك. الطرف الصناعي سيساعدني على المشي، والتخلص من الكرسي المتحرك، وبالتالي الاعتماد على نفسي".
وإلى العلاج الطبيعي والدعم النفسي، ينخرط عدد من مبتوري الأطراف في فرق رياضية ضمن برنامج دمج ترعاه اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومن بينهم رزان خيرة (25 سنة) التي كانت عداءةً محترفةً تحلم بالمشاركات العالمية، لكن قصفاً قرب بيتها في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 غيّر مسار الحلم، بعدما بترت الإصابة قدمها، فضلاً عن معاناتها في علاج القدم السليمة لثمانية أشهر، ما عطّل عملية تأهيلها.
في نهاية كل أسبوع، تجتمع رزان خيرة مع أفراد فريق رياضي يضمّ عدداً من الفتيات اللاتي تعرّضن لبتر أطرافهن داخل أحد ملاعب الكرة الخماسية في مدينة دير البلح، في رحلة جديدة للمشاركة في مسابقات ذوي الاحتياجات الخاصة الأوروبية. تحكي لـ "العربي الجديد": "هذا التجمع ليس مجرد تمرينات رياضية، بل مرحلة حياتية جديدة، وسعي جديد للمنافسة. أرفه عن نفسي لمدة ساعة ونصف مع صديقاتي. نلعب ونضحك ونتمرن، وننفصل قليلاً عن أجواء الحرب. لقد أصبحت هذه الفترة التي أستعيد فيها ذكرياتي الجميلة في الملاعب، وأستعيد بعض قوتي أيضاً".
تخضع خيرة للتأهيل أسبوعياً بانتظار تركيب الطرف الصناعي، وتقول عن معاناتها: "المستشفيات التي يتم فيها التأهيل بعيدة، والمواصلات صعبة، لذلك نستغني عن الذهاب إلى المشفى بإجراء التمارين في البيت، إضافة إلى أن الأدوات المساعدة من عكاكيز أو كرسي متحرك ومشدات للقدم غير متوفرة، وحال توفرت نستفيد منها لمرة واحدة، لكنها تتعطل مجدداً. عدم تركيب الطرف الصناعي يؤخر اندماجي في المجتمع، وفكرة الجلوس على كرسي متحرك لعامين متواصلين صعبة، كما أثر شح العلاج والغذاء في تعافي قدمي السليمة".
بدورها، تؤكد خبيرة الصحة النفسية ختام أبو عودة أن الدمج الرياضي والنفسي يساعدان المبتورين على استعادة الثقة بالنفس، وبالتالي تحسين صحتهم النفسية والجسدية، وينبغي تقليل عزلتهم عبر تعزيز الاندماج بالمجتمع والتعليم والعمل، ما يدعم تعافيهم وجودة حياتهم.
وتوضح أبو عودة لـ "العربي الجديد": "لا تزال الأجهزة التعويضية والأدوات المساعدة غير متوفرة بالشكل الكافي في قطاع غزة، مقارنة مع الاحتياجات المتزايدة الناتجة عن زيادة أعداد المبتورين، ما يحدّ من قدرتهم على الحركة والاستقلالية، ويؤخر اندماجهم، ويزيد بالتبعية من الأعباء النفسية والاجتماعية".