29 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 12-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

فلسطينيات اخبار فلسطينية "فتح" - لبنان: نرفض تحميل اللاجئين وموظفي "الأونروا" كلفة العجز المالي
"فتح" - لبنان: نرفض تحميل اللاجئين وموظفي "الأونروا" كلفة العجز المالي
جنوبيات
2026-09-12
"فتح" - لبنان: نرفض تحميل اللاجئين وموظفي "الأونروا" كلفة العجز المالي

بيان سياسي وقانوني وحقوقي صادر عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في لبنان، في شأن تراجع خدمات وكالة "الأونروا" وما يُحاك لمستقبل ولايتها، جاء فيه:


حين أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بقرارها 302 (د-4) في الثامن من كانون الأول 1949، لم تكن تؤسّس جمعية خيرية، ولم تكن تمنح شعبنا هبةً قابلة للسحب كلّما ضاقت الموازنات إنما كانت تُسجّل بلغة القانون الدولي، اعترافًا مكتوبًا بأنّ جريمةً وقعت عام 1948، وبأنّ العالم يتحمّل تبعاتها إلى أن يُنصَف أصحابها.
لذلك فإنّ كل مقعدٍ دراسي، وكل جرعة دواء، وكل حصّة إغاثة تقدّمها الوكالة، ليست خدمةً اجتماعية تُقاس بمعايير الجدوى والترشيد، بل قسطٌ من دَينٍ في ذمّة المجتمع الدولي، وشاهدٌ حيٌّ على أنّ ملف اللاجئين لم يُغلق ولن يُغلق قبل تنفيذ الفقرة الحادية عشرة من القرار 194 (د-3).
من هذا الموقع بالذات، نصدر هذا البيان...

إنّ اختزال ما تتعرّض له الوكالة في عبارة "أزمة مالية" هو أخطر ما يُراد لنا أن نصدّقه، فالذي يجري يتكوّن من ثلاث طبقات متراكبة، وكلّ طبقةٍ تستدعي معالجةً مختلفة:
الطبقة الأولى وهي سياسية بامتياز: حملةٌ ممنهجة لتفكيك الوكالة بوصفها العنوان المؤسسي لقضية اللاجئين، وقد بلغت ذروتها بإقرار الكنيست الإسرائيلي في 28 تشرين الأول 2024 قانونين يحظران عمل الوكالة ويقطعان الاتصال الرسمي بها، ودخولهما حيّز التنفيذ مطلع عام 2025، ثم بهدم مقرّ الوكالة في القدس الشرقية المحتلة مطلع هذا العام، وهي المرّة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة التي تُقدم فيها دولة على حظر وكالةٍ أممية حظرًا تامًا.
الطبقة الثانية وهي تمويلية: انسحاب مانحين كبار وتعليق مساهماتهم بذريعة اتهاماتٍ لم يصمد منها شيء أمام التحقيق، وقد حسمت محكمة العدل الدولية الأمر في رأيها الاستشاري الصادر في 22 تشرين الأول 2025 حين قرّرت أنّه لا توجد أدلة تُثبت ادعاءات المسّ بحياد الوكالة، وأكّدت التزامات (إسرائيل) بتسهيل عمل الأمم المتحدة ووكالاتها، ورغم ذلك يستمرّ حجب التمويل، بل ويتّسع، فيما يُقدَّر العجز في العام الجاري بنحو مئة مليون دولار.
الطبقة الثالثة وهي إدارية: خياراتٌ تتّخذها إدارة الوكالة تحت ضغط العجز، فتبدأ التقليص من أقرب نقطةٍ إلى المستفيد وأبعد نقطةٍ عن المركز: دمج المدارس وإقفالها، وتقليص دوام المراكز الصحية، وخفض ساعات العمل والرواتب بنسبة عشرين في المئة اعتبارًا من مطلع شباط الماضي، وتقليص الإغاثة والخدمات الاجتماعية.
وهنا موقفنا واضح لا لبس فيه: نحن نُدافع عن الأونروا، ولا نُدافع عن كل قرارٍ يصدر عنها، ومعركتنا من أجل الوكالة لا ضدّها، لكنّ الدفاع عنها لا يعني القبول بأن تُدار أزمتها على حساب أضعف الحلقات، ولا أن تتحوّل الاستجابة للعجز إلى تفكيكٍ تدريجيٍّ للولاية من الداخل، يُنجز بالتقسيط ما عجز الاحتلال عن إنجازه بالقانون.

ونستد في ذلك إلى أساس قانوني يمكن تفصيله بما يلي:
1. ولاية الوكالة سارية ونافذة، حيث جدّدت الجمعية العامة ولاية الأونروا حتى 30 حزيران 2029، دون إخلالٍ بأحكام الفقرة 11 من القرار 194، والجمعية العامة وحدها — لا مانح، ولا إدارة، ولا دولة — تملك تعديل هذه الولاية أو إنهاءها.
2. التمويل ليس تبرّعًا اختياريًا بلا أثر قانوني، فحين تُنشئ الجمعية العامة جهازًا فرعيًا وتكلّفه بولاية، فإنّ تمكينه من أدائها التزامٌ جماعي على الدول الأعضاء بموجب ميثاق الأمم المتحدة، لا منّةً تُمنح وتُمنع بحسب المزاج السياسي.
3. الحق في التعليم والصحة حقٌّ أصيل غير قابل للتراجع، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية حقوق الطفل، والقاعدة المستقرّة في القانون الدولي لحقوق الإنسان أنّ شحّ الموارد لا يُبرّر التراجع عن مستوى تمتّعٍ سبق بلوغه.
4. خصوصية وضع اللاجئ الفلسطيني قانونيةٌ لا إجرائية، فالمادة الأولى/د من اتفاقية 1951 أفردت لأبناء شعبنا نظامًا خاصًا ارتباطًا بوجود الأونروا.. ومن هنا فإنّ أيّ نقلٍ لخدمات الوكالة إلى جهاتٍ أخرى، دولية كانت أم محلية، ليس ترتيبًا لوجستيًا بريئًا، بل هو محاولةٌ لتحويل اللاجئ الفلسطيني من صاحب قضيةٍ سياسية تنتظر حلًا عادلًا، إلى حالةٍ إنسانية عابرة تُدار بمنطق الإغاثة والدمج والتوطين، وهذا ما نرفضه رفضًا قاطعًا.
5. حرمة المنشآت الأممية وموظفيها مكفولة باتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946، وما تعرّض له موظفو الوكالة، وقد استُشهد منهم في غزة ما يزيد على ثلاثمئة وثمانين، يشكّل انتهاكًا جسيمًا يستوجب المساءلة لا الصمت.

وعليه، فاننا نطلق خطوطًا حمراء لا تقبل التفاوض: لا، لإقفال أيّ مدرسة أو دمجها أو تقليص أيّ مرفقٍ صحي أو إغاثي قبل توفير البديل الفعلي المعاين والمقبول من مجتمع اللاجئين.
لا، لنقل خدمات الوكالة إلى أيّ جهةٍ بديلة، أممية أو دولية أو محلية، تحت أيّ مسمّى.
لا، لأيّ تعديلٍ في تعريف اللاجئ الفلسطيني أو في سجلّات التسجيل أو في نطاق الاستحقاق.
لا، لتحميل موظفي الوكالة كلفة عجزٍ لم يصنعوه، ولا للمسّ بأمنهم الوظيفي وحقوقهم.
لا، للتوطين بكل صوره ومسمّياته، انسجامًا مع ثوابتنا الوطنية ومع الفقرة (ط) من مقدمة الدستور اللبناني.
ولا، للتهجير ولا للهجرة القسرية بوصفهما المخرج المرسوم لنا حين تُغلق المدرسة والعيادة معًا.

وانطلاقًا من ذلك، نبعث برسائل واضحة ومباشرة إلى أصحاب القرار:
إلى إدارة الوكالة ومفوضيتها العامة: إنّ الشفافية جزءٌ من الشرعية، فإننا نطالب بنشر تفصيلي لموازنة إقليم لبنان وأوجه إنفاقها، وبأن يبدأ أيّ ترشيدٍ من النفقات الإدارية والتشغيلية والاستشارية في المقارّ لا من الصفّ الدراسي وغرفة المعاينة، ونطالب بتجميد كل قرارٍ ذي أثرٍ بنيوي على الخدمات ريثما يُستكمل حوارٌ جدّي ومنظّم مع المرجعيات الفلسطينية واللجان الشعبية ولجان الأهل، على أن يكون هذا الحوار تشاركيًا في صناعة القرار لا إبلاغًا به بعد اتخاذه.
إلى الدول المانحة والمجتمع الدولي: إنّ الدولة التي تصوّت لصالح تجديد ولاية الوكالة ثم تمتنع عن تمويلها إنما تمنحها التفويض وتمنع عنها القدرة، فإننا ندعو إلى كسر منطق التمويل السنوي المتقلّب، والانتقال إلى تمويلٍ متعدد السنوات يمكن التنبؤ به، وإلى تفعيل ما سبق أن أقرّته الجمعية العامة لجهة الزيادة التدريجية في مخصصات الوكالة من الموازنة العادية للأمم المتحدة، بما يحصّن خدماتها ضدّ الابتزاز السياسي.
إلى الأمم المتحدة وأمينها العام: إنّ "التقييم الاستراتيجي" لا يجوز أن يتحوّل إلى مدخلٍ لإعادة هندسة الولاية أو توزيع مهامها، والأسبوع الرفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة (22–28 أيلول) مناسبةٌ لاختبار الجدّية: إمّا أن يخرج بآليةٍ تمويلٍ مستدامة، أو يكون قد أعطى الضوء الأخضر لانهيارٍ مُعلَن.
إلى الأشقاء العرب والمسلمين: إنّ الأونروا خط الدفاع الأول عن حق العودة، وتراجُع الإسناد المالي العربي في أخطر لحظات القضية يفتح ثغرةً لا يملؤها غيرنا، فالمطلوب دعمٌ ماليٌّ مستدام يوازي حجم الخطاب السياسي.
إلى الدولة اللبنانية الشقيقة، رئاسةً وحكومةً ومجلسًا نيابيًا: إنّ انهيار خدمات الوكالة ليس شأنًا فلسطينيًا خالصًا؛ فهو يرتّب أعباءً مباشرة على لبنان، بلدٍ يخرج بالكاد من تداعيات العدوان والأزمات المتراكمة، ونحن إذ نثمّن احتضان لبنان لشعبنا، ونؤكد التزامنا الكامل باحترام سيادته وقوانينه وسلمه الأهلي، وتعاوننا البنّاء في مسار لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني وفي النقاش الوطني حول المخيمات، ندعو الدولة اللبنانية إلى رفع صوتها في المحافل الدولية دفاعًا عن استمرار الوكالة، باعتباره مصلحةً لبنانية قبل أن يكون مطلبًا فلسطينيًا.
إلى موظفي الأونروا ومعلّميها وأطبائها وعمّالها: أنتم جزءٌ من هذا المجتمع لا خصومه، ومظلوميتكم من مظلوميتنا، حقوقكم في صلب مطالبنا، ونرفض أن يُدفع بكم وبأبناء شعبنا إلى مواجهةٍ مفتعلة، فالخصم واحد والعنوان واحد.
إلى أبناء شعبنا في المخيمات والتجمعات: تحرّككم مشروع، وصوتكم محقّ، ونؤكد أنّ فاعليته مشروطةٌ بانضباطه: سلميّ، حضاريّ، منظّم، لا يمسّ منشآت الوكالة ولا موظفيها، ولا يُستدرج إلى ما يُسيء إلى عدالة قضيتنا أو يمسّ الاستقرار في محيطنا، إنّ صورتنا أمام العالم جزءٌ من سلاحنا، فلا نُهدرها.

ومن هذا المنطلق نؤكد أن البيانات وحدها لا توقف قرارًا ولذلك نعلن، إلى جانب ما نطالب به، ما نتحمّله:
1. تكثيف لقاءات فصائل منظمة التحرير واللجان الشعبية والتعاون مع لجان الأهل والمؤسسات الأهلية والاتحادات الشعبية، لإدارة هذا الملف بخطةٍ متدرّجة وموحّدة بدل التحركات المتفرّقة.
2. مواصلة المسار المنظّم مع إدارة الوكالة في إقليم لبنان وفي المفوضية العامة، مسنودًا بملفٍّ موثّق يرصد أثر كل إجراء تقليصٍ على المستفيدين، مخيّمًا مخيّمًا ومرفقًا مرفقًا.
3. تحريك المسار الدبلوماسي والقانوني عبر دولتنا الفلسطينية وسفارتنا وبعثاتنا لدى الأمم المتحدة، ودائرة شؤون اللاجئين في المنظمة، لوضع ملف لبنان على طاولة اللجنة الاستشارية للوكالة والجمعية العامة.
4. الاستمرار في التنسيق مع الدولة اللبنانية ومع لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني والهيئات الحقوقية والمنظمات الدولية العاملة في لبنان، لبناء جبهة إسنادٍ واسعة لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم.
5. مواكبة إعلامية وحقوقية مستمرة، توثّق وتخاطب الرأي العام الدولي بلغةٍ يفهمها، لأنّ معركة الرواية جزءٌ لا يتجزأ من معركة الحقوق.
ختامًا: قد تُقلَّص الخدمات، ولا يُقلَّص الحق، وقد تُدمج مدرسةٌ في أخرى، ولا تُدمج قضيةٌ في نسيان، إنّ ما نُدافع عنه اليوم ليس مقاعد ودفاتر وعيادات فحسب، بل فكرةٌ كاملة: أنّ للنكبة عنوانًا لم يُطوَ، وأنّ في ذمّة العالم التزامًا لا يسقط بالتقادم ولا بعجز الموازنات.
إلى أن يعود اللاجئ إلى داره، تبقى الأونروا قائمة، وإلى أن تبقى قائمة، تبقى شاهدًا وحماية الشاهد واجبٌ وطنيٌّ لا يقبل التأجيل.

جنوبيات
أخبار مماثلة