19 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 04-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الرابع من آب... حين أصبح الوجع ذاكرة وطن
الرابع من آب... حين أصبح الوجع ذاكرة وطن
د. علي ضاهر
2026-08-04
الرابع من آب... حين أصبح الوجع ذاكرة وطن

هناك أيام تمرّ في حياة الأوطان، وهناك أيام تبقى محفورة في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات. والرابع من آب هو أحد تلك الأيام التي لا يمكن أن تُنسى، لأنه لم يكن مجرد تاريخ على صفحات التقويم، بل كان لحظة غيّرت وجه بيروت، وتركت جرحاً عميقاً في قلب كل لبناني.

في ذلك المساء، تبدلت ملامح المدينة في لحظات، وتحولت الضحكات إلى صمت، والطمأنينة إلى قلق، والأمل إلى دموع. ولم يكن الدمار الذي أصاب الحجر أشد قسوة من الألم الذي أصاب البشر، فبقيت صور ذلك اليوم راسخة في الذاكرة الجماعية، شاهدة على واحدة من أصعب المحطات التي مر بها لبنان.

إن ذكرى الرابع من آب ليست مناسبة لاستعادة الحزن فحسب، بل هي دعوة للتأمل في قيمة الإنسان، وفي مسؤولية الدولة، وفي أهمية حماية الأرواح وصون كرامة المواطنين. إنها مناسبة لنتذكر أن الأوطان لا تُبنى بالإهمال، بل بالمسؤولية، ولا تُصان بالشعارات، بل بالشفافية والعدالة واحترام القانون.

تمر الأعوام، لكن الذاكرة لا تشيخ، لأن بعض الأحداث لا يغيب أثرها مع الزمن، بل تتحول إلى جزء من وجدان الشعوب. فكل زاوية من بيروت تحمل حكاية، وكل شارع يروي قصة، وكل منزل تضرر يختزن ذكرى لا تمحى.

لقد أثبت اللبنانيون، رغم قسوة المحنة، أن إرادة الحياة أقوى من الدمار، وأن التضامن بين الناس يبقى الركيزة التي يستند إليها الوطن في أحلك الظروف. ومن رحم الألم، وُلدت صور مشرقة من التكافل والمحبة والعطاء، لتؤكد أن لبنان، مهما انكسر، يبقى قادراً على النهوض.

وفي هذه الذكرى، لا نبحث عن استحضار الألم بقدر ما نتمسك بحق الذاكرة، لأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها هي الأقدر على حماية مستقبلها. فالعدالة ليست مطلباً مؤقتاً، بل قيمة إنسانية ووطنية لا يكتمل التعافي من دونها، ولا يستقيم الوطن إلا بها.

في الرابع من آب، ننحني احتراماً لكل من تأثر بتلك الفاجعة، ونستذكر هذا اليوم بقلوب يملؤها الإيمان بأن لبنان يستحق مستقبلاً أكثر أمناً، وأكثر عدلاً، وأكثر احتراماً لحياة الإنسان.

رحم الله من رحل، وشفى كل من لا يزال يحمل آثار تلك المأساة، وحفظ لبنان من كل شر، وجعل من هذه الذكرى دافعاً لبناء وطنٍ تكون فيه سلامة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار.

جنوبيات
أخبار مماثلة