شهدت "إسرائيل"، خلال الساعات الماضية، تطورات سياسية لافتة، فجرت جدلاً واسعاً لدرجة وصفها بأنها "انقلاب يميني" على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، من جانب نواب حزب "الليكود" الذي يتزعمه حالياً.
ويشهد حزب "الليكود" الذي يقود الائتلاف اليميني الحاكم في "إسرائيل" حالة من "التشرذم السياسي"، خلال الأشهر الأخيرة، وسط دعوات للانفصال من نواب بارزين ودعوات للإطاحة بنتنياهو من الحكومة والحزب.
ودشن جلعاد إردان السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة والقيادي البارز في حزب "الليكود" حزباً يمينياً جديداً بقيادته، يضم يولي إدلشتاين رئيس "الكنيست" السابق، وفق صحيفة "هآرتس" العبرية.
وأعلن إردان انفصاله عن "الليكود"، قائلاً إنه "يفارق البيت السياسي الذي نشأ فيه لأكثر من 30 عاماً"، مضيفاً أنه "لم يعد بإمكانه وصفه بالبيت، لأن نواب الليكود لم يعودوا يمثلون ناخبي الحزب".
وأوضح أن حزبه الجديد سيسعى لاستقطاب الناخبين اليمينيين الذين أيدوا ائتلاف نتنياهو ولكنهم يعارضون قانون التهرب من الخدمة العسكرية، بالإضافة إلى الناخبين اليمينيين من بين مؤيدي المعارضة "الذين لا يرغبون في حكومة يسارية".
وذكر إردان أن حزبه سيطرح مشروع قانون أساسي يُلزم جميع الإسرائيليين بأداء الخدمة العسكرية أو الخدمة الوطنية حيث يتمتع كل مواطن في إسرائيل بحقوق وعليه أيضاً واجبات"، حسب قوله.
وقال: "يجب علينا كسر نظام الحكومات الضيقة التي تستسلم للمصالح الضيقة"، مؤكدًا أن "الحل يكمن في حكومة صهيونية واسعة". ثم أعلن أنه لن ينضم إلى "أي حكومة ضيقة".
وعندما سُئل خلال مؤتمر صحفي عقده، الخميس، عما إذا كان نتنياهو مؤهلًا للاستمرار في منصب رئيس الوزراء، قال إردان إن حزبه "لا يمارس الاستبعاد الشخصي أو المقاطعة"، مضيفاً: "ما دام نتنياهو مُنتخباً من قِبَل الشعب، فمن حقه ومن واجبه أن يشغل منصب رئيس الوزراء".
وأكد إردان أنه يعارض إقامة دولة فلسطينية وأنه يسعى إلى "إعادة المسؤولية" و"الاحترام المتبادل" إلى معسكر اليمين؛ وقال: "الخصم السياسي ليس عدواً، فأعداؤنا موجودون في طهران وغزة ولبنان".
وحول إمكانية الانضمام إلى حكومة تضم حزب "الديمقراطيين" بقيادة يائير غولان، قال إردان إن حزبه لن يتمكن من الانضمام إلى ائتلاف يضم غولان، زاعماً أن الأخير "ألحق العار بجنود الجيش الإسرائيلي حول العالم" ولم يتراجع عن تصريحاته.
واعتبر أن عدم تشكيل لجنة تحقيق حكومية في أحداث 7 أكتوبر 2023 بعد مرور 3 سنوات على الهجوم يُعد "إخفاقاً جسيماً للغاية" تتحمل الحكومة مسؤوليته. غير أنه أضاف أنه - نظراً لدور السلطة القضائية في صياغة بعض السياسات والتوجيهات التي تحكم عمليات الجيش الإسرائيلي - ثمة مجال للنظر في إطار بديل.
وشدد رئيس الحزب اليميني الجديد على أن "لجنة تحقيق سياسية ليست الخيار الصائب بالتأكيد وأي لجنة يتم تشكيلها يجب أن تكون وطنية وتحظى بثقة الجمهور، بحسب رأيه.
من جهته، كشف إيدلشتاين، أن الحزب الجديد يسعى إلى استقطاب مئات الآلاف من الإسرائيليين الذين يشعرون بأنه ليس لديهم من يصوتون له، متعهداً بالعمل لصالح الجنود وقوات الاحتياط وسكان الجليل والنقب، مع الاستمرار في تعزيز الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية.
وفي أحاديث أجراها مؤخراً، وجه إيدلشتاين انتقادات حادة لحزب الليكود، لا سيما فيما يتعلق بالتشريعات الخاصة بالإعفاء من الخدمة العسكرية وموقف الحزب من مطالب اليهود "الحريديم"؛ إذ رأى أن الحزب قد خسر ناخبين، وحاد عن مساره الأيديولوجي الأصلي.
والعام الماضي، أطاح أعضاء في ائتلافه به من منصبه رئيساً للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست، وذلك على خلفية معارضته لمشروع قانون الائتلاف القاضي بإعفاء اليهود المتشددين (الحريديم) من الخدمة العسكرية.
غير أن مصادر سياسية تشير إلى أن الخلاف الأيديولوجي بين إدلشتاين وحزب "الليكود" بشأن قضية التجنيد وإعفاء المتشددين لم يكن سوى ذريعة لإزاحته، وأن السبب الحقيقي يكمن في التنافس القائم منذ فترة طويلة بينه وبين نتنياهو.
وشهدت العلاقة بين الرجلين تقلبات عديدة على مدار العقدين الماضيين، وتحديداً منذ انضمام إدلشتاين إلى حزب "الليكود"، والذي شغل، سابقاً، منصب وزير الصحة وكان يُعد آنذاك من أكثر نواب حزب "الليكود" شعبية.
وقاد إدلشتاين أحدث تحدٍ علني لزعامة نتنياهو للحزب في العام 2021، حين أعلن عزمه الترشح لرئاسة الحزب الذي كان يمثل المعارضة في ذلك الوقت. غير أنه، وقبل إجراء الانتخابات التمهيدية، أعلن انسحابه من سباق الرئاسة، معلناً تأييده لنتنياهو زعيماً للحزب.
وشغل إردان -الذي انتُخب لعضوية "الكنيست" لأول مرة العام 2003- منصب ممثل "إسرائيل" لدى الأمم المتحدة في الفترة من 2020 إلى 2024. كما تولى منصب سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة لعدة أشهر العام 2021، ليصبح بذلك أول دبلوماسي إسرائيلي يشغل المنصبين في آن واحد منذ خمسينيات القرن الماضي.
وخلال فترة عمله في الأمم المتحدة، عُرف إردان بخطاباته النارية المؤيدة لإسرائيل وبالأساليب الاستعراضية غير المألوفة التي كان يلجأ إليها لإيصال وجهة نظره. ففي أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ناقشت دعوةً لوقف فوري لإطلاق النار في غزة، رفع إردان لافتةً تحمل رقم هاتف يحيى السنوار، زعيم حركة "حماس" في القطاع، كُتب عليها: "إذا كنتم تريدون وقفاً لإطلاق النار، فاتصلوا به".
وصعد إردان ذات مرة إلى منصة المتحدثين - قبيل تصويتٍ لمنح الفلسطينيين حقوقاً جديدة - حاملاً آلةً صغيرة لتمزيق الورق، حيث أقدم على تمرير نسخة من ميثاق الأمم المتحدة عبرها، معلناً: "إنكم تمزقون ميثاق الأمم المتحدة بأيديكم؛ هذا ما تفعلونه. تباً لكم".
وبعد فترة وجيزة من هجوم حركة "حماس" في 7 تشرين الاول، وضع إردان "النجمة الصفراء" خلال اجتماع لمجلس الأمن، واصفاً إياها بأنها "تذكير بأننا أقسمنا على الرد دفاعاً عن أنفسنا"، ومضيفاً أن عبارة "لن يتكرر ذلك أبداً" (شعار إحياء ذكرى الهولوكوست) تعني "الآن"، متعهداً بأن يواصل هو وفريقه ارتداء النجمة الصفراء "حتى القضاء على "حماس"، وحتى يتوقف مجلس الأمن عن الصمت ويدين مجزرة 7 تشرين الاول".
وقوبلت هذه الخطوة الاستعراضية بانتقادات لاذعة من مسؤولين إسرائيليين، بمن فيهم داني ديان، رئيس مؤسسة "ياد فاشيم"، الذي وصفها بأنها "إهانة لضحايا الهولوكوست ولإسرائيل على حد سواء".
وبعد تنحيه عن منصبه، وصف إردان مقر الأمم المتحدة بأنه "مبنى لا داعي له"، وقال إنه ينبغي "محوه عن وجه الأرض". كما صرّح، لاحقاً، بأن أرض إسرائيل - بما في ذلك الضفة الغربية - "ملك للشعب اليهودي".
وقال: "لا يوجد مكان أكثر فساداً وانحرافاً من الناحية الأخلاقية من الأمم المتحدة. وعلينا جميعاً أن نتحد لنشر هذه الرسالة في أنحاء العالم، مطالبين بإغلاق هذه المنظمة وتفكيكها، وتأسيس هيئة جديدة تمثل حقاً القيم النبيلة".