27 صفر 1448

الموافق

الأربعاء 12-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم تحالف الدفاع من أجل السلام... هل بدأ الشرق الأوسط صناعة أمنه بنفسه؟
تحالف الدفاع من أجل السلام... هل بدأ الشرق الأوسط صناعة أمنه بنفسه؟
د. عبد الرحيم جاموس
2026-08-12
تحالف الدفاع من أجل السلام... هل بدأ الشرق الأوسط صناعة أمنه بنفسه؟

ليست أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في أنه أضاف اتفاقاً عسكرياً جديداً إلى قائمة الاتفاقات الإقليمية، وإنما في اللحظة التي ظهر فيها، والتحول الذي قد يعكسه في فلسفة الأمن الإقليمي.
فالسؤال الذي حكم أمن الشرق الأوسط لعقود كان: من يحمي المنطقة؟ وكانت الإجابة تقوم، بدرجات متفاوتة، على المظلات الخارجية، والوجود العسكري الأمريكي، والتحالفات الثنائية، واختلال موازين القوة لمصلحة قوى إقليمية بعينها.
لكن الحروب والأزمات الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة. فالقوة الخارجية تستطيع الردع، لكنها لا تستطيع أن تصنع الاستقرار نيابة عن شعوب المنطقة، والتفوق العسكري يستطيع فرض وقائع مؤقتة، لكنه لا ينتج سلاماً دائماً.
من هنا تبرز دلالة مكة: 
الانتقال من انتظار الحماية إلى بناء القدرة، ومن الاعتماد إلى الشراكة، ومن طلب الضمانات إلى امتلاك أدوات الردع.
استقلال استراتيجي لا قطيعة مع العالم
لا ينبغي فهم هذا التحول باعتباره تمرداً على الولايات المتحدة أو محاولة لإخراجها من المنطقة. فالسعودية وتركيا وباكستان ترتبط جميعاً، بدرجات مختلفة، بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، كما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي.
المسألة أعمق: 
لم يعد من مصلحة القوى الإقليمية أن يكون أمنها مرهوناً بمصدر واحد للقوة.
فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني القطيعة، وإنما يعني تعدد الشراكات، وتوسيع هامش القرار، والقدرة على التفاوض من موقع القوة. وهذا ينسجم مع عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، ولا سيما مع تنامي أدوار الصين وروسيا والقوى الإقليمية.
إيران: فرصة أم بداية استقطاب؟
هنا تكمن إحدى أهم نتائج الاتفاق المحتملة.
فإيران لا تستطيع تجاهل الثقل الذي تمثله السعودية وتركيا وباكستان مجتمعة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن تحويل الاتفاق إلى محور معادٍ لها سيقود إلى استقطاب جديد وسباق محاور لا يخدم أحداً.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي هو: هل يكون الردع مقدمة للمواجهة أم مدخلاً إلى التفاهم؟
يمكن للاتفاق، إذا حافظ على طابعه الدفاعي، أن يدفع جميع الأطراف إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي: لا هيمنة إيرانية على الجوار، ولكن أيضاً لا حصار لإيران؛ لا هيمنة إسرائيلية، ولا سباق دائم إلى الحرب؛ ولا وصاية خارجية على أمن المنطقة.
المعادلة المطلوبة هي توازن يردع الجميع ولا يستهدف أحداً.
المستعمرة الإسرائيلية  ومشكلة تغير ميزان القوة :
أما المستعمرة الإسرائيلية، فليس من الدقة وصف الاتفاق بأنه تحالف موجه ضدها.
 لكن ذلك لا يلغي أثره المحتمل في حساباتها.
فإذا تطورت الشراكة الثلاثية إلى تعاون حقيقي في الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، فإن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها ستصبح أكثر تعدداً في مصادر القوة.
وهنا لا تكمن المسألة في إنشاء جبهة عسكرية ضد إسرائيل، بل في الانتقال من التفوق الأحادي إلى توازن أكثر تعدداً؛ وهو تحول يمكن أن يخدم السلام إذا جعل الحرب أقل قدرة على تحقيق أهدافها.
من الأحلاف إلى شبكة أمن إقليمية :
قد لا يكون مستقبل المنطقة في إنشاء «ناتو» جديد مغلق، لأن الأحلاف المغلقة غالباً ما تستدعي أحلافاً مضادة.
الأكثر واقعية ربما هو بناء شبكة أمن إقليمية متعددة المستويات: تعاون دفاعي بين بعض الدول، وتشاور استراتيجي بين دول أخرى، وحوار أمني مع إيران، ودور عربي أوسع تشارك فيه مصر ودول الخليج، مع إبقاء أبواب التعاون مفتوحة.
وهذا يجعل اتفاق مكة نواة محتملة، لا نهاية الطريق.
فالقوة الحقيقية للاتفاق لن تقاس بعدد الدول التي ستنضم إليه، وإنما بقدرته على خلق ثقافة أمنية جديدة تقوم على منع الحرب لا إدارتها فقط.
القوة من أجل السلام : 
قد يبدو عنوان «تحالف الدفاع من أجل السلام» متناقضاً، لكنه في الحقيقة جوهر مفهوم الردع.
فالردع الناجح لا يعني الرغبة في الحرب، بل إقناع الطرف الآخر بأن الحرب لن تحقق أهدافها.
ولهذا فإن القوة تصبح وسيلة للسلام عندما تكون محكومة بعقيدة سياسية واضحة: حماية السيادة، ورفض العدوان، ومنع الهيمنة، وتسوية النزاعات بالحوار، وعدم تحويل المنطقة إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.
أما إذا تحولت القدرات الدفاعية إلى سباق تسلح ومحاور متقابلة، فسوف تتغير أسماء التحالفات ويبقى منطق الصراع كما هو.
فلسطين... الاختبار الأهم : 
ولا يمكن لأي تصور جديد للأمن الإقليمي أن يتجاهل القضية الفلسطينية.
فالاحتلال والاستيطان وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ليست قضايا منفصلة عن أمن المنطقة، بل أحد جذور عدم استقرارها.
لذلك فإن بناء قدرات دفاعية جديدة ينبغي أن يترافق مع رؤية سياسية للسلام؛ فالأمن الذي يحمي الدول ولا يعالج أسباب الصراع يظل أمناً ناقصاً وقابلاً للانفجار.
وهنا تستطيع السعودية، ومعها تركيا وباكستان، أن تحول وزنها الجديد من مجرد قوة دفاعية إلى قوة سياسية من أجل السلام: لا من خلال الحرب مع إسرائيل، وإنما من خلال الدفع نحو نظام إقليمي يقوم على سيادة الدول، ورفض الاحتلال والعدوان، وإقامة السلام العادل، وفي مقدمته حل القضية الفلسطينية.
مكة... اختبار تاريخي : 
لذلك لا أرى أن السؤال الأهم هو: هل ولد «ناتو إسلامي»؟
السؤال الأعمق هو:
هل بدأت المنطقة تستعيد حقها في صناعة أمنها؟
إذا نجحت في تحويل القدرة إلى ردع، والردع إلى توازن، والتوازن إلى تفاوض، والتفاوض إلى سلام، فإن اتفاق مكة يمكن أن يكون بداية تحول تاريخي.
أما إذا تحول الدفاع إلى استقطاب، والردع إلى تهديد، والتحالف إلى محور، والمحور إلى حرب، فسوف تكون المنطقة قد أعادت إنتاج ماضيها بأدوات أكثر تطوراً.
لهذا فإن «تحالف الدفاع من أجل السلام» ليس اسماً لاتفاق مكة بقدر ما هو امتحان له:
إما أن تنجح القوة في حماية السلام، أو تفشل السياسة مرة أخرى في تحويل القوة إلى سلام.

جنوبيات
أخبار مماثلة