3 ربيع الأول 1448

الموافق

الإثنين 17-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الانتخابات الفلسطينية القادمة: لا مقايضة بين الحقوق الديمقراطية والاجتماعية والحقوق الوطنية
الانتخابات الفلسطينية القادمة: لا مقايضة بين الحقوق الديمقراطية والاجتماعية والحقوق الوطنية
وليد العوض
2026-08-17
الانتخابات الفلسطينية القادمة: لا مقايضة بين الحقوق الديمقراطية والاجتماعية والحقوق الوطنية

أما وقد بدأت عجلة الانتخابات تدور، وبدأت ملامح البرامج الانتخابية للقوى والقوائم الراغبة في خوض الانتخابات التشريعية بالظهور، فإن النقاش ينبغي ألا ينحصر في أسماء المرشحين وشعارات القوائم، بل في سؤال أهم: ماذا يريد المواطن من هذه الانتخابات، وماذا نريد منها لنظامنا السياسي ومستقبلنا الوطني؟
المواطن يريد مجلساً تشريعياً فاعلاً، ومساءلة ومحاسبة، وخدمات أفضل، وعدالة اجتماعية، وفرص عمل، وصحة وتعليماً أفضل، وحياة آمنة وكريمة، ويريد عودة النازحين إلى بيوتهم. وهذه حقوق حقيقية ومشروعة، لا يجوز التقليل من شأنها أو تأجيلها بحجة أولوية القضية الوطنية.
لكن هذه الحقوق لا يمكن فصلها عن الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني. فالحق في العمل والعيش الكريم والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والمشاركة الديمقراطية، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحق في تقرير المصير والحرية والاستقلال ووحدة الأرض والشعب، كما أن التمسك بالحقوق الوطنية لا يجوز أن يكون مبرراً لتأجيل حقوق الناس اليومية.
لا نحتاج إلى الاختيار بين الاثنين، بل إلى الربط بينهما.
فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، وإنما وسيلة لتمكين المواطن من التأثير في القرار ومحاسبة من يتولاه. لكنها تفقد معناها إذا تحولت إلى مجرد أداة لإدارة واقع مفروض، بدلاً من أن تكون وسيلة للمساهمة في تغييره.
وهنا السؤال الذي ينبغي أن يحضر بقوة في البرامج الانتخابية والنقاش العام: أي انتخابات نريد، وأي نظام سياسي نريد أن تنتج؟
ليس المطلوب فقط ألا نقايض بين الخبز والوطن، بل ألا تتحول الانتخابات نفسها إلى آلية تمنح شرعية ديمقراطية لإدارة واقع الاحتلال بدلاً من تغييره، أو إلى وسيلة لإعادة إنتاج واقع سياسي تجاوزته حاجات شعبنا وتطلعاته.
ومن هنا، فإن المطلوب مجلس تشريعي فاعل يحاسب الحكومة ويراقب أداءها، لكنه لا ينافس منظمة التحرير الفلسطينية أو  منصة للقفز فوقها ولا يحل محل مؤسساتها الوطنية الجامعة، ولا يعيد إنتاج مؤسسات المرحلة الانتقالية، بل يتكامل معها ضمن نظام سياسي فلسطيني موحد، وفي مسار يقود إلى تجسيد دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، وضمان حق عودة اللاجئين وفق القرار 194.
وبالتالي، لا يكفي أن تتحدث البرامج الانتخابية عن الفقر والبطالة وإعادة الإعمار والصحة والتعليم والخدمات، بل ينبغي أن تضع هذه القضايا في إطار مشروع سياسي وطني وديمقراطي يواجه الاحتلال والاستيطان، ويحمي القدس واللاجئين وحق تقرير المصير ووحدة الأرض والشعب.
فالمواطن الذي يبحث عن فرصة عمل أو مستشفى أفضل لا يفعل ذلك بمعزل عن مستقبله الوطني؛ هو يريد أن يعيش بأمان وكرامة في وطن موحد، وأن يشعر بأن صوته الانتخابي يساهم في تحسين حياته وفي تغيير الشروط السياسية التي تحول دون ذلك.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول احتياجات الناس المشروعة إلى مدخل للمقايضة بين الحقوق: تحسين شروط الحياة مقابل القبول بسقف سياسي أدنى، أو حقوق اجتماعية واقتصادية وديمقراطية مقابل التراجع عن الحقوق الوطنية والسياسية.
هذه المقايضة مرفوضة من حيث المبدأ.
لذلك، فإن التحدي أمام القوى والقوائم والمرشحين ليس فقط تقديم برامج تلبي احتياجات الناس اليومية، بل توضيح كيف يمكن لهذه البرامج أن تكون جزءاً من مشروع يربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية بالحقوق الوطنية، والانتخابات بتغيير الواقع لا بالتكيف معه.
قد تختلف المواقف من الانتخابات وشروطها ومحاذيرها، وهذا حق ديمقراطي ينبغي احترامه. لكن ما ينبغي أن نتفق عليه هو أن الحقوق لا تتجزأ: فلا حقوق اجتماعية واقتصادية مستدامة من دون حماية سياسية ووطنية، ولا مشروع وطني قوي من دون ديمقراطية وعدالة اجتماعية ومواطن يشعر أن له مكاناً وحقوقاً وصوتاً في وطنه.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سننتخب؟ بل: ماذا نريد من الانتخابات أن تفعل بنظامنا السياسي، وبحياة الناس، وبمستقبلنا الوطني؟
لا نريد انتخابات تختار فقط من يدير الواقع القائم، بل انتخابات تفتح الطريق أمام تغييره.
لا مقايضة بين الحقوق الديمقراطية والاجتماعية والحقوق الوطنية.
وهنا تبدأ مسؤولية البرامج الانتخابية الحقيقية.

جنوبيات
أخبار مماثلة