7 ربيع الأول 1448

الموافق

الجمعة 21-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

لبنانيات أخبار لبنانية فضيحة في لبنان: دجاج نافق يُرمى قرب المنازل.. فهل تحولت المزارع إلى قنبلة بيئية؟
فضيحة في لبنان: دجاج نافق يُرمى قرب المنازل.. فهل تحولت المزارع إلى قنبلة بيئية؟
2026-08-21
فضيحة في لبنان: دجاج نافق يُرمى قرب المنازل.. فهل تحولت المزارع إلى قنبلة بيئية؟

في قرية الدوق بوسط البترون، لم تعد الشكوى من مزارع الدواجن مرتبطة برائحة عابرة في أيام الحر، بل تحولت، وفق رواية الأهالي، إلى نزاع مستمر منذ نحو 12 عاماً حول صحة السكان وبيئة القرية وقيمة العقارات ومستقبل الاصطياف فيها.
 
ويقول الأهالي إن النشاط توسّع خلال السنوات الماضية، فيما تُرمى أعداد من الدجاج النافق في أراضٍ زراعية محيطة، وتتزايد الروائح مع ارتفاع درجات الحرارة. كما يؤكدون أن بعض المزارع تعمل من دون تراخيص مستوفية للشروط، وأن مراجعاتهم لدى المحافظة ووزارة البيئة لم تؤدِّ حتى الآن إلى معالجة الضرر.
 
لكن قضية الدوق تكشف مشكلة تتجاوز حدود القرية، لأن قطاع الدواجن في لبنان ضخم ومتشعب، فيما لا تنشر الإدارات الرسمية قاعدة بيانات موحدة تبيّن عدد المزارع المرخصة وغير المرخصة، وكميات الطيور النافقة، وكيفية التخلص منها.
 
110 ملايين طير سنوياً
بحسب الارقام، يضم القطاع أكثر من 2000 مزرعة ونحو 60 مصنعاً، ويوفر قرابة 36 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، فيما يصل إنتاجه إلى نحو 110 ملايين طير سنوياً.
 
وفي المقابل، أظهر سجل المزارعين لدى وزارة الزراعة وجود 6847 تسجيلاً يتضمن نشاطاً متعلقاً بالدواجن حتى كانون الأول 2025. ولا يعني الفرق بين الرقمين بالضرورة وجود آلاف المزارع غير المرخصة، لأن سجل المزارعين يحصي الأشخاص والأنشطة، بينما يشير رقم النقابة إلى المنشآت الإنتاجية. لكنه يكشف غياب رقم رسمي موحد يوضح عدد المزارع العاملة ووضع كل منها القانوني. أرقام قطاع الدواجن وسجل المزارعين.
 
وإذا احتُسبت نسبة نفوق متدنية تبلغ 3% فقط من الإنتاج السنوي المعلن، فإنها تعادل نحو 3.3 ملايين طير. وهذا تقدير حسابي وليس رقماً رسمياً عن النفوق في لبنان، إذ لا توجد بيانات وطنية منشورة تسمح بمعرفة النسبة الفعلية أو مسار التخلص من الطيور النافقة.
 
ماذا يخرج من المزرعة؟
تنتج مزرعة الدواجن أكثر من نوع من المخلفات. هناك الروث والفرشة المكوّنة عادة من نشارة الخشب أو التبن، والمياه الناتجة عن الغسل والتنظيف، والعبوات الدوائية والمطهرات، إضافة إلى الطيور النافقة يومياً أو خلال موجات المرض والحرارة.
 
وتتحول هذه المخلفات إلى خطر عندما تُجمع لفترات طويلة أو تُرمى في أرض مكشوفة أو مجرى مياه. فتحلل الروث والفرشة الرطبة يطلق الأمونيا ومركبات مسؤولة عن الروائح، كما يجذب الذباب والقوارض والكلاب الشاردة. أما سوائل التحلل والمياه الملوثة، فيمكن أن تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية إذا لم تُجمع في منشآت عازلة.
 
الدفن العشوائي ليس معالجة
توضح منظمة الأغذية والزراعة أن التخلص السليم من جيف الحيوانات عنصر أساسي لمنع انتشار مسببات الأمراض، ولا سيما عند حصول نفوق وبائي. وتشمل الخيارات المعتمدة، بحسب ظروف الموقع وحجم النفوق، الجمع والنقل إلى منشأة معالجة، والحرق في تجهيزات مرخصة، والدفن الصحي المضبوط، والتسميد الحراري المنظم، أو التصنيع المتخصص للمخلفات الحيوانية.
 
ولا يدخل رمي الطيور في أرض مفتوحة ضمن هذه الوسائل. كما أن الدفن لا يكون آمناً تلقائياً، بل يحتاج إلى اختيار موقع بعيد عن المياه والمنازل، وتحديد عمق وطبيعة التربة، ومنع وصول الحيوانات إلى الجيف. أما في حالات النفوق غير الطبيعي أو الجماعي، فيجب تحديد السبب قبل التخلص من الطيور، لأن الجيفة قد تحتوي على العامل الممرض. إرشادات «الفاو» لإدارة الجيف.
 
ما الأمراض التي قد تمر عبر المزرعة؟
الأمراض المحتملة لا تعني أنها موجودة في الدوق، ولا يمكن إثبات أي إصابة من الرائحة أو النفوق وحدهما. لكن مزارع الدواجن تحتاج إلى رقابة بسبب مجموعة من الأخطار المعروفة:
 
إنفلونزا الطيور: تنتقل بين الطيور عبر الإفرازات والبراز والمياه والأعلاف والأحذية والمركبات والمعدات الملوثة. وتوصي المنظمة العالمية لصحة الحيوان بالإبلاغ عن المرض والنفوق غير الطبيعي ومنع اختلاط الدواجن بالطيور البرية.
مرض نيوكاسل: مرض فيروسي شديد العدوى قد ينتشر عبر البراز والإفرازات والماء والعلف والملابس والأدوات، ويمكن أن تبقى الفيروسات أسابيع في البيئة. وقد تصل الوفيات في السلالات الشديدة إلى نسب مرتفعة جداً.
السالمونيلا والكامبيلوباكتر: من أبرز مسببات الأمراض المنقولة بالغذاء والمرتبطة بسلسلة إنتاج الدجاج. ولا يعني وجود مزرعة قرب المنازل انتقالها تلقائياً إلى السكان، لكن سوء النظافة وإدارة المخلفات والذبح والنقل يزيد فرص التلوث.
بكتيريا الإشريكية القولونية: قد توجد في الفضلات، ويمكن أن تنتقل إلى المياه أو التربة عند التخلص العشوائي من الروث والمياه الملوثة.
مقاومة المضادات الحيوية: يصبح الخطر أكبر عندما تُستخدم المضادات من دون إشراف بيطري أو كبديل من النظافة والأمن الحيوي. وقد أقرت وزارة الزراعة نفسها بوجود شكاوى تتعلق ببعض ممارسات استخدام المضادات داخل القطاع، فيما تحذر منظمة الصحة العالمية من أن الإفراط في استعمالها في الإنتاج الحيواني والدواجن يساهم في ظهور جراثيم مقاومة للعلاج. منظمة الصحة العالمية ووزارة الزراعة.
القانون موجود.. أين الرقابة؟
 
تؤكد وزارة البيئة أن إنشاء مزارع الأبقار والطيور الداجنة واستثمارها يخضعان للقرار رقم 16/1 الصادر في 21 آذار 2001، ولتصنيف المؤسسات المضرة بالصحة والمزعجة الوارد في المرسوم 4917/1994. ويحتاج الملف إلى موافقة بيئية ومستندات مرتبطة بالموقع وطبيعة النشاط، وقد يتطلب دراسة للأثر البيئي بحسب حجم المشروع وتصنيفه. إجراءات وزارة البيئة.
 
ولا يقتصر الالتزام على الحصول على ورقة ترخيص. فالمزرعة مطالبة بمنع تلوث المياه والتربة، وضبط الروائح والحشرات، وتأمين التهوية والنظافة، وإدارة الروث والطيور النافقة، واحترام المسافات التي يفرضها موقع المنشأة وحجمها، إضافة إلى تطبيق الأمن الحيوي والاستعانة بطبيب بيطري.
 
وتظهر تجربة حوض الليطاني أن المشكلة ليست نظرية. فقد أعلنت المصلحة الوطنية للنهر أن كشوفاتها رصدت رمي نفايات سائلة وحيوانات نافقة في أراضٍ مكشوفة أو في مجرى النهر من مزارع ومسالخ مرخصة وغير مرخصة. كما طلبت اتخاذ إجراءات بحق أكثر من عشر مزارع في جبال العيشية والريحان، وأكثر من 24 مزرعة في البقاع بسبب التعديات على المياه والبيئة. المصلحة الوطنية لنهر الليطاني.
 
وهذه الوقائع لا تثبت حصول المخالفات نفسها في الدوق، لكنها تؤكد أن التخلص العشوائي من مخلفات المزارع مشكلة سُجلت رسمياً في مناطق لبنانية أخرى.
 
الدوق تحتاج كشفاً لا مراسلات جديدة
بحسب الأهالي، رفضت محافظة الشمال منح إذن بمزاولة العمل لإحدى المزارع بعد الاعتراضات، وأحالت الملف إلى وزارة البيئة. لكن عدم الترخيص لا يساوي تلقائياً صدور قرار بالإقفال، كما أن إحالة الملف لا تحسم ما إذا كانت المزارع الأخرى مرخصة أو مطابقة.
 
المطلوب ليس لجنة جديدة تتبادل الكتب، بل كشف مشترك من وزارات البيئة والزراعة والصحة والمحافظة والبلدية، يتضمن تحديد عدد الطيور في كل منشأة، وفحص التراخيص، وقياس المسافة عن المنازل، ومعاينة التهوية والكثافة ومكان تخزين الروث، ومراجعة سجل النفوق والأدوية، وأخذ عينات من المياه والتربة عند مواقع رمي الجيف المزعومة.
 
ومن دون هذه البيانات، ستبقى القضية محصورة بين روايتين: أهالٍ يقولون إن صحتهم وقريتهم تتضرران، وأصحاب نشاط اقتصادي يستطيعون القول إن الاتهامات غير مثبتة مخبرياً. أما مسؤولية الدولة، فهي تحويل الشكوى إلى نتائج قابلة للقياس: هل المزارع مرخصة؟ أين يذهب الدجاج النافق؟ ما سبب الروائح؟ وهل توجد ملوثات أو مسببات مرضية في الهواء أو التربة أو المياه؟
 
هذه الأسئلة وحدها تفصل بين مزرعة منتجة تحتاجها السوق اللبنانية ومنشأة تحوّل كلفة إنتاجها إلى عبء صحي وبيئي يدفعه سكان القرية.

أخبار مماثلة