8 ربيع الأول 1448

الموافق

الأحد 23-08-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة معركة "وراثة اليونيفيل" بين السيطرة الميدانية وصراع "التفويض والآليات البديلة" في روما
معركة "وراثة اليونيفيل" بين السيطرة الميدانية وصراع "التفويض والآليات البديلة" في روما
زياد سامي عيتاني
2026-08-22
معركة "وراثة اليونيفيل" بين السيطرة الميدانية وصراع "التفويض والآليات البديلة" في روما

لم يعد السؤال المطروح في جنوب لبنان محصوراً بما إذا كانت قوات الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» ستغادر مع حلول نهاية عام 2026، بل يتجاوزه إلى التساؤل الجوهري عن هوية الهيكلية العسكرية والسياسية التي ستتولى إدارة المشهد الميداني والرقابي في واحدة من أكثر المراحل دقة في تاريخ الجنوب الحديث. تتزامن هذه الضبابية مع تعقد المسارات السياسية والدبلوماسية والتصعيد العسكري المتواصل على الأرض، والذي يضع المنطقة برمتها أمام عملية إعادة تشكيل شاملة ومباشرة لقواعد اللعبة الأمنية.

•الميدان يضغط على الطاولة: تصعيد متواصل ومراوحة التفاوض

يتجلى التوتر الحالي في الاتجاهين المعاكسين بين طاولة التفاوض والديناميات الميدانية المشتعلة. ففي الوقت الذي يستعد فيه الوسطاء الدوليون لعقد جولات تفاوضية جديدة في العاصمة الإيطالية روما تحت الرعاية الأميركية المباشرة، تُسجل خطوط التماس والمناطق الحدودية عمليات قصف وتفجير وتجريف ممنهج للمنازل والبنى التحتية في القرى والبلدات الحدودية. كما يواصل الجانب الإسرائيلي توسيع نطاق استهدافاته الميدانية والعملياتية لتطال مناطق عميقة ومحورية، مثل مرتفعات علي الطاهر ومحيط مدينة النبطية.

تُستخدم هذه الضغوط الميدانية المكثفة كأداة سياسية وعسكرية صريحة لتحسين شروط التفاوض على الطاولة الدبلوماسية، وهو ما أدى بالمقابل إلى دخول المحادثات المباشرة في روما حالة من المراوحة الجريئة والانسداد الإجرائي. وتتعثر اللقاءات المغلقة عند عقبة الخلاف الجوهري حول توسيع جدول زمني واضح لانسحابات عسكرية جديدة، وإيقاف أعمال التدمير الممنهج، فضلاً عن تحديد طابع وحجم وصلاحيات القوات العسكرية والرقابية البديلة لليونيفيل.

•اتفاق الإطار الثلاثي واختبار التجربة الميدانية

يُمثل «اتفاق الإطار الثلاثي» الموقع برعاية واشنطن بين لبنان وإسرائيل المرجعية السياسية المحورية للمرحلة الانتقالية المرتقبة. لكن تطبيق هذا الإطار الاصطدامي يواجه اختباراً ميدانياً عسيراً بسبب التباين العميق في التفسير بين طرفي النزاع. ففي حين يتعامل لبنان الرسمي مع صيغة «المناطق التجريبية» كمرحلة آليّة وتدريجية تهدف للوصول إلى انسحاب شامل واستعادة كافة الأراضي والسيادة، يحاول الجانب الإسرائيلي اقتطاع «شريط أمني» بحكم الأمر الواقع تحت ذرائع معالجة التهديدات الأنفاقية والبنى العسكرية السابقة. وهو ما ترفضه بيروت قاطعاً وتعتبره الإدارة الأميركية مساراً يخرج عن جوهر روح اتفاق الإطار. وقد انعكس هذا التعثر ميدانياً في الجولة السابعة من المحادثات في روما، التي أنهت ثلاثة أيام من الاجتماعات من دون التوصل إلى اتفاق على منطقة تجريبية جديدة.

•سيناريوهات «الوريث» والخيارات الدوليةالعرب وشعوب الشرق الأوسط

الخطأ الأبرز في مقاربة المرحلة المقبلة هو اعتبار انتهاء ولاية اليونيفيل بموجب القرار الدولي 2790 خروجاً نهائياً للمجتمع الدولي من الجنوب اللبناني. فالقرار الصادر في آب 2025 حدد نهاية كانون الاول 2026 كموعد نهائي للولاية الحالية، على أن تبدأ التصفية والانسحاب التدريجي خلال عام 2027. إلا أنه كلف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم خيارات لمستقبل الوجود الدولي، مما يرسم معادلة مزدوجة: إنهاء القوة بصيغتها القديمة مع الحفاظ على وظيفة رقابية ووساطة دولية مساندة لتنفيذ القرار 1701.

وفي هذا السياق، تتبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما بعد اليونيفيل على طاولة المداولات:

-بعثة أممية مصغرة ومعدلة: تقليص عديد القوات الأممية بشكل حاد (بين 1980 و5525 عنصراً) وتجريدها من الانتشار التكتيكي الواسع، على أن ينحصر دورها في النواحي التقنية، مراقبة الخط الأزرق، وإدارة قنوات الاتصال المباشر.تحليل سياسي

-الجيش اللبناني مع «طرف ثالث» تقني: قيام المؤسسة العسكرية اللبنانية بالانتشار السيادي والسيطرة الميدانية الكاملة، بالتوازي مع تشكيل «آلية تحقق» تضم ممثلين عن دول محايدة أو «ائتلاف دولي راغب» (مثل إيطاليا، بريطانيا، سويسرا، وإندونيسيا) يقتصر دوره على التثبت التقني ورفع التقارير دون ممارسة صلاحيات تنفيذية.

-التعددية والأمن خارج المظلة الأممية: إرسال بعثة أمنية وتدريبية مشتقة من الاتحاد الأوروبي بدعم إقليمي عبر «مرفق السلام الأوروبي» (EPF). وتكتسب هذه الصيغة زخماً مع طرح مبادرة فرنسية-إيطالية لتشكيل تحالف متعدد الجنسيات يضمن بقاء دول كبرى كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فضلاً عن القرار الألماني الأخير بتمديد مشاركة البحرية الألمانية قبالة السواحل اللبنانية كمؤشر للانخراط الأوروبي المباشر.

•معركة التفويض وصلاحيات التفتيش الميداني

إن المعركة الحقيقية بين القوى الدولية والإقليمية المعنية لا تدور فقط حول أسماء وتنسيق الدول المشاركة في القوة البديلة، بل تتركز بالكامل حول «سقف التفويض والصلاحيات». وتكمن العقدة السياسية في التناقض الجوهري بين الرغبة الإسرائيلية-الأميركية بإنشاء آلية تملك صلاحيات واسعة للتفتيش الحر والوصول إلى الملكيات الخاصة والتثبت المباشر من نزع السلاح، وبين الموقف اللبناني الصارم الذي يرفض أي مساس بالسيادة الوطنية، ويؤكد حصرية السلطة الإجرائية والتنفيذية بيد الجيش اللبناني وحده على الأرض.

•زيارة عون إلى روما والفاتيكان – اختبار الدبلوماسية

جاءت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا، بين 20 و21 آب 2026، لتنقل كل ما سبق طرحه من سيناريوهات نظرية إلى اختبار ميداني مباشر، ولتُترجم عملياً حدّة التنافس على وراثة اليونيفيل. جمعت الزيارة بين محطة روحية في الفاتيكان ومحطة سياسية في روما، وحملت أبعاداً تتجاوز البروتوكول إلى صلب الملف الأمني الجنوبي:

-المحطة الفاتيكانية: التقى عون البابا ليون الرابع عشر وأمين سر الدولة الكاردينال بيترو بارولين، لاطلاع الكرسي الرسولي على مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، وطلب دعم معنوي وسياسي يُوظَّف كمظلة أخلاقية ودولية لحماية الصيغة والسيادة اللبنانية.

المحطة الإيطالية: تركزت المباحثات مع الرئيس سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني على دور إيطاليا المحتمل ضمن «آلية التحقق» في المناطق التجريبية، إضافة إلى بحث مصير اليونيفيل؛ حيث جدد عون تمسّك بيروت بتمديد ولايتها كأولوية أولى، مع طرح خيار ثانٍ يقوم على استمرار قوات دولية بإطار قانوني واضح إلى جانب الجيش منعاً للفراغ الأمني.

ترافقت الزيارة مع تسليم وفد نيابي عريضة موقعة من 86 نائباً تدعم استمرار مهمة اليونيفيل وتعزيز الحضور الدولي، لتظهير إجماع سياسي يسند موقف الرئاسة التفاوضي.

•التجهيز اللوجستي وركائز الدعم الأوروبي

تدرك القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا وألمانيا، أن تمكين الجيش اللبناني من ملء الفراغ يتطلب استراتيجية تمويل وتجهيز متكاملة. ولهذا يعمل الاتحاد الأوروبي على مسار موازٍ يتضمن تخصيص حزم تمويلية لشراء الآليات الهندسية والمعدات الثقيلة لتطهير حقول الألغام وإعادة فتح الطرقات والمقرات الحدودية، وتزويد الوحدات المنتشرة بآليات رصد ومراقبة ليلية وأجهزة اتصال حديثة لضمان السيطرة التقنية الشاملة على منطقة جنوب الليطاني، فضلاً عن إطلاق برنامج تدريبي وتأهيلي يمتد لثلاث سنوات لرفع الكفاءة التكتيكية لقوى الأمن والجيش.

•من سيرسم قواعد اللعبة بعد 2026؟

إن المسار نحو صياغة مشهد جديد لجنوب لبنان لم يعد مرتبطاً فقط بالتوافق النظري على نصوص «الاتفاق الإطاري»، بل بمدى صمود الهدنة الميدانية أمام خروقات التصعيد العسكري المتكررة. وتؤكد تحركات بعبدا الدبلوماسية في روما والفاتيكان أن معركة رسم الحدود والترتيبات الأمنية أصبحت في صلب الواقع الميداني والدبلوماسي عبر الاستثمار في ثلاث أوراق متزامنة: النفوذ المعنوي للفاتيكان، الثقل الإيطالي داخل القوات الدولية، والمبادرات الأوروبية الجاهزة للتنفيذ.

لن يكون لليونيفيل وريث واحد، بل تتجه المنطقة نحو نظام أمني متعدد الطبقات؛ يتولى فيه الجيش القرار الميداني والسيادي، بينما تتوزع الوظائف التقنية والرقابية بين بعثات أممية مصغرة وتحالفات دولية مساندة، في انتهاء لعهد حفظ السلام التقليدي وبداية لصياغة قواعد لعبة جديدة كلياً.

اللواء
أخبار مماثلة