عاد الكثير من المغتربين اللبنانيين إلى بلداتهم في الجنوب متجاهلين المخاطر على أمل استعادة شيء من ذكرياتهم، لكنهم صدموا بآثار الحرب التي شملت دماراً وأضراراً طاولت منازلهم.
لا تقتصر عودة اللبنانيين المقيمين في الخارج لقضاء إجازاتهم في بلدهم على المناطق البعيدة عن تداعيات العدوان الإسرائيلي، فمن بينهم آلاف المغتربين الذين اختاروا العودة إلى بلداتهم وقراهم في جنوب لبنان، وبعضها لا تزال معرضة للخطر، أو تضررت مساكنها وخدماتها.
ومع استمرار وصول المغتربين اللبنانيين خلال أشهر الصيف، يزور بعض المغتربين الجنوبيين مناطقهم التي لم تستعد بعد إيقاعها الطبيعي، في محاولة لاسترجاع شيء من علاقتهم بالمكان. عاد بعض المغتربين إلى منزل العائلة، والبعض إلى منزل مستأجر، فيما اضطر آخرون إلى الإقامة في منازل أقارب حين وجدوا منازلهم غير صالحة للسكن، أو اختفت تماماً تحت نيران العدوان الإسرائيلي.
وتحاول القرى والبلدات التي كانت تزدحم خلال أشهر الصيف بالعائدين من الخارج استرداد بعض حركتها، لكن الحرب لم تترك أثرها على الأبنية فقط، بل طاولت الخدمات والحركة التجارية وشعور الناس بالأمان، فيما لا تزال مناطق عدة مدمرة تنتظر إعادة الإعمار.
بعد زواجها قبل أكثر من 40 سنة، غادرت اللبنانية صباح نجدي بلدتها صريفا لتستقر مع زوجها في ألمانيا، لكنها حافظت طوال العقود الماضية على صلتها ببلدتها الجنوبية التي كانت تعود إليها بين فترة وأخرى. هذه المرة لم تكن العودة سهلة، ولا القرار محسوماً، إذ كانت قد حجزت تذكرة سفرها في فبراير/شباط الماضي، قبل اندلاع الحرب من جديد، واضطرت بعد ذلك إلى تأجيل السفر مرتين بسبب الأوضاع الأمنية. لكنها في المرة الثالثة قررت السفر لزيارة بلدتها مهما كانت الظروف، إذ لم تعد قادرة على الانتظار، بحسب ما تروي لـ"العربي الجديد". تقول: "قررت العودة، وليسر عليّ ما يسري على بقية الناس. عودتي هذه المرة كانت مختلفة عن سابقاتها، فقد سافرت وحدي من دون أولادي، وحين وصلت إلى صريفا، كنت أعتزم البقاء لنحو شهرين، لكن المكان الذي عدت إليه كان مختلفاً تماماً عن المكان الذي غادرته سابقاً، فالبيت الذي اعتدت العودة إليه في زياراتي السابقة تهدّم، وأقمت في منزل شقيقتي خلال فترة وجودي في البلدة".
لا يأتي جميع المغتربين إلى الجنوب بحثاً عن صيف هادئ، بل تبدو العودة بالنسبة إلى بعضهم أقرب إلى إحياء صلتهم بالمكان، حتى لو كانت الإقامة فيه شبه مستحيلة. من بين هؤلاء زينب، ابنة بلدة فرون، التي تعيش في الإمارات مع زوجها، وتعود إلى لبنان في كل صيف لزيارة عائلتها. تعتزم زينب قضاء أسبوعين في لبنان قبل السفر مجدداً، واختارت هذه المرة أن تأتي وحدها، من دون زوجها وطفليها. تقول لـ"العربي الجديد": "غياب العائلة يجعل الرحلة أقل إرباكاً. شخصياً، أحب العودة إلى البلد، وأشعر براحة كبيرة عندما أصل إلى الجنوب. بيتنا متضرر، لكنه لم يُدمر بالكامل، ولا يزال بالإمكان الإقامة فيه، وعودة أقاربي إلى البلدة شجعتني على المجيء، كما أن وجود البلدة ضمن (المناطق التجريبية) يفترض أن يوفر بعض الأمان. ليس الجنوب مكاناً يُقاس بدرجة الخطر أو بحجم الأضرار، فنحن أولاد جنوب لبنان، وسنعود دائماً مهما كانت الظروف".
يعيش محمد جابر وعائلته منذ أكثر من عشرين عاماً في الولايات المتحدة الأميركية، وقرر زيارة النبطية بعد غياب سنتين، بعدما تحوّل تأجيل الزيارة إلى عبء نفسي عليه. يقول لـ"العربي الجديد": "كنا نخطط للعودة طوال السنتين الماضيتين، ثم نتراجع مع تصاعد التوترات الأمنية، وفي كل مرة نقول إن الأفضل أن ننتظر حتى تهدأ الأوضاع. لكن في هذه المرة قررنا أن نسافر مهما كانت الظروف. النبطية لا تزال مسقط رأسنا، ورغم المخاوف، اتفقنا على العودة، فإذا واصلنا انتظار هدوء الأوضاع فلن نأتي أبداً، بينما نريد أن نرى أهلنا وبلدنا".
عاد جابر مع عائلته ليمضي نحو شهر كامل في لبنان، وتحديداً في النبطية، رغم أن المدينة ومحيطها لا يزالان يعيشان على وقع التوتر، بحكم قربها من مناطق تشهد استهدافات متكررة، مثل عليّ الطاهر وكفررمان. لم تكن العودة مستقرة، ففي الفترة التي وصلت فيها العائلة، شهدت المنطقة ضربات، من بينها استهداف بلدتي أنصار ودير الزهراني. أرسل جابر زوجته وأولاده إلى بيروت، فيما بقي هو يتنقّل بين النبطية والعاصمة كلما سمح الوضع بذلك، لأنه لا يريد لأولاده أن يعيشوا في خوف.