21 ربيع الأول 1448

الموافق

الجمعة 04-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم التطبيع الثقافي… استهداف التاريخ والهوية والذاكرة
التطبيع الثقافي… استهداف التاريخ والهوية والذاكرة
المحامي عمر زين
2026-09-04
التطبيع الثقافي…  استهداف التاريخ والهوية والذاكرة

 

الثقافة ليست مجرد كتب وأعمال فنية ومهرجانات ومعارض، وإنما هي ذاكرة الشعوب وهويتها وطريقة ‏رؤيتها لتاريخها ومجتمعها والآخر. ولذلك فإن دخول التطبيع إلى المجال الثقافي قد يكون من أخطر ‏أشكاله، لأنه لا يستهدف العلاقات الرسمية فقط، بل يستهدف الوعي والذاكرة والهوية‎.‎

فما معنى التطبيع الثقافي؟ وكيف يمكن أن يتم؟ وما الذي يمكن أن يستهدفه؟
ماذا يعني التطبيع في الثقافة؟

التطبيع الثقافي يعني نقل العلاقة مع طرف كان يُنظر إليه باعتباره طرفاً في صراع أو احتلال إلى علاقة ‏ثقافية تبدو طبيعية وعادية، من خلال إقامة الفعاليات المشتركة، وتبادل الفنانين والكتاب والمثقفين، وتنظيم ‏المعارض والمهرجانات، وإنتاج الأعمال الفنية المشتركة، والتعاون في المؤسسات الثقافية‎.‎

والتواصل بين الشعوب والثقافات ليس في ذاته أمراً سلبياً، بل يمكن أن يكون وسيلة للتفاهم والسلام. لكن ‏المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقافة إلى وسيلة لتجاوز قضية الاحتلال أو تهميش حقوق الشعوب أو تقديم ‏المعتدي والضحية على قدم المساواة من دون مراعاة للوقائع التاريخية والقانونية‎.‎
فالتطبيع الثقافي لا يطلب منك بالضرورة أن تغير موقفك السياسي، وإنما قد يجعلك تعتاد على وجود ‏الطرف الآخر في حياتك الثقافية، حتى يصبح وجوده أمراً طبيعياً وغير قابل للنقاش‎.‎

ماذا يُستهدف في الثقافة؟
أول ما يمكن أن يُستهدف هو التاريخ‎.‎

فالتاريخ هو ذاكرة الشعوب، وإعادة صياغته أو حذف بعض مراحله أو تقديم رواية انتقائية عنه يمكن أن ‏تغير فهم الأجيال الجديدة لما حدث‎.‎
وقد يستهدف التطبيع كذلك التراث؛ من الآثار والمواقع التاريخية إلى الأزياء والأغاني والحرف والعادات ‏والتقاليد. فالتراث ليس مادة سياحية فقط، وإنما هو دليل على ارتباط شعب بمكانه وتاريخه‎.‎
كما يمكن أن يستهدف اللغة والأسماء‎. ‎فاللغة تحمل الذاكرة، وأسماء المدن والقرى والمواقع ليست مجرد ‏كلمات، بل ترتبط بهوية المكان وتاريخه. وعندما تتغير الأسماء أو تختفي التسميات الأصلية من الكتب ‏والخرائط والأعمال الثقافية، يمكن أن تختفي معها أجزاء من الذاكرة‎.‎

ويُستهدف أيضاً الأدب والفن والسينما والمسرح والموسيقى‎. ‎فالعمل الفني قادر على إعادة تشكيل صورة ‏الإنسان والعدو والضحية، وقد يستطيع خلال ساعتين من فيلم أو مسلسل أن يؤثر في الوعي أكثر مما ‏تفعله عشرات الكتب‎.‎
كذلك يمكن أن تدخل المتاحف والمراكز الثقافية والمهرجانات والمعارض والجوائز والمنح الثقافية في هذه ‏العملية إذا تحولت إلى أدوات لفرض رواية معينة أو تبييض واقع سياسي أو تاريخي‎.‎

كيف تتم عملية التطبيع الثقافي؟
التطبيع الثقافي غالباً لا يحدث بصورة مفاجئة، بل يبدأ بخطوات تبدو بسيطة‎.‎
قد يبدأ بدعوة فنان أو كاتب إلى فعالية ثقافية، أو إقامة معرض مشترك، أو تنظيم مهرجان، أو إنتاج عمل ‏فني مشترك، أو إنشاء برنامج للتبادل الثقافي‎.‎

ثم تتوسع العلاقات لتشمل الجامعات والمؤسسات الثقافية ودور النشر والمراكز الفنية‎.‎
وبمرور الوقت تصبح المشاركة أمراً معتاداً، وتختفي الحدود التي كانت تفصل بين التواصل الثقافي ‏الطبيعي وبين التطبيع السياسي‎.‎
وهنا تكمن الخطورة‎: ‎التطبيع الثقافي قد يتحقق بالتدرج، لا بالإعلان‎.‎
فما كان مرفوضاً في البداية يصبح مقبولاً، ثم عادياً، ثم يتحول إلى جزء من المشهد الثقافي اليومي‎.‎

دور الفن والإعلام الثقافي
الفن يستطيع أن يكون أداة للمقاومة كما يستطيع أن يكون أداة للتطبيع‎.‎

فعندما يقدم فيلم أو مسلسل أو رواية أو معرض فني صورة للصراع من دون سياقه التاريخي، أو يساوي بين ‏المعتدي والضحية، أو يحذف قضية شعب من القصة، فإنه قد يساهم في إعادة تشكيل الوعي‎.‎
وكذلك الإعلام الثقافي، عندما يسلط الضوء على التعاون الثقافي ويقدم العلاقات الجديدة باعتبارها دليلاً ‏على انتهاء الصراع، من دون طرح الأسئلة المتعلقة بالحقوق والاحتلال والعدالة، فإنه قد يؤدي دوراً في ‏عملية التطبيع‎.‎
ولا يعني ذلك رفض الحوار الثقافي أو حرية الإبداع، وإنما يعني ضرورة عدم استخدام الثقافة لتزييف ‏الحقيقة أو محو الذاكرة‎.‎

التطبيع الثقافي ومحو الذاكرة
أخطر ما يمكن أن يفعله التطبيع الثقافي هو أن يجعل الأجيال الجديدة تنظر إلى القضية وكأنها تنتمي إلى ‏الماضي‎.‎
فالذاكرة لا تختفي دفعة واحدة، وإنما يمكن أن تتراجع تدريجياً عندما تختفي من الكتب، والأفلام، والمسرح، ‏والمتاحف، والمناهج، والأغاني، والروايات، والمعارض‎.‎
وعندما تختفي الرواية الأصلية من المشهد الثقافي، تحل مكانها رواية أخرى‎.‎
لذلك فإن المعركة الثقافية ليست فقط على ما يُقال، بل أيضاً على ما يتم إسقاطه وعدم قوله‎.‎

كيف نواجه التطبيع الثقافي؟
مواجهة التطبيع الثقافي لا تعني الانغلاق على العالم أو رفض التواصل بين الشعوب، وإنما تعني أن يكون ‏الانفتاح قائماً على المعرفة والحقيقة والاحترام المتبادل‎.‎
ويكون ذلك بالحفاظ على التاريخ والذاكرة والتراث، وتشجيع الإنتاج الثقافي الذي يوثق تجارب الشعوب، ‏وحماية المواقع والرموز الثقافية، ودعم الكتاب والفنانين والمثقفين، وعدم السماح بتحويل الفعاليات الثقافية ‏إلى أدوات لتبييض الاحتلال أو تبرير انتهاك الحقوق‎.‎

كما يجب أن يكون المثقف واعياً بأن العمل الثقافي ليس دائماً منفصلاً عن السياسة؛ فقد تكون الرواية ‏واللوحة والفيلم والموسيقى والكتاب جزءاً من معركة الوعي‎.‎
إن الثقافة يمكن أن تكون جسراً بين الشعوب، وهذا أمر إيجابي عندما يقوم على الحقيقة والاحترام والعدالة. ‏لكنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى طريق ناعم لتطبيع واقع غير عادل عندما يُطلب من الثقافة أن تنسى ‏التاريخ أو تتجاهل الحقوق‎.‎
فالتطبيع لا يبدأ دائماً من اتفاق سياسي؛ قد يبدأ من كتاب، أو فيلم، أو مهرجان، أو معرض، أو أغنية، أو ‏شخصية فنية، أو رواية جديدة للتاريخ‎.‎

ولهذا فإن حماية الثقافة تعني حماية الذاكرة، وحماية الذاكرة تعني حماية حق الشعوب في رواية تاريخها كما ‏عاشته، لا كما يريد الآخرون أن يُروى‎.‎
فحين تتغير الرواية، قد يتغير الوعي؛ وحين يتغير الوعي، يصبح تغيير الموقف أمراً أسهل‎.‎
من هنا فإن مقاومة التطبيع الثقافي واجب لمنع تغيير الرواية والوعي والموقف.‏

أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)‏


أخبار مماثلة