في الوقت الذي تحاول خلاله كافة السلطات الرسمية اللبنانية اصلاح الأمور المالية والنقدية والمصرفية، من الضروري أن لا يمس باستقلالية المصرف المركزي احتراما لقانون النقد والتسليف كما للأعراف والمنطق والتجارب الدولية. السياسة النقدية يحددها المصرف المركزي وتهدف الى محاربة التضخم أو إبقاء مؤشر غلاء الأسعار دون مستوى متفق عليه ومعلن. وسائلها الأساسية هي الفوائد التي عبرها يحدد نمو الكتلة النقدية وبالتالي تأثيرها الكبير على الاقتصاد العام. استقلالية السياسة النقدية تعني أن قرارها غير خاضع للسلطة السياسية. الاستقلالية لا تعني عدم التنسيق مع السلطة التنفيذية، بل أن التنسيق واجب لتوحيد الجهود للتأثير ايجابا على الاقتصاد.جولات سياحية لبنان
في الهدف أي نسبة التضخم فيمكن أن تكون مرنة أي اذا لم يستطع المصرف المركزي البقاء دون الـ 3% مثلا فيمكنه أن يبقى لفترة محدودة فوق هذا السقف شرط العودة اليه. حصر الوسيلة بالفائدة يساهم في الحفاظ على الاستقلالية. كلما توسعت صلاحيات وقوة المصرف المركزي كلما هددت الاستقلالية الضرورية للسياسة النقدية الصحيحة. اذا أعطي المصرف المركزي صلاحيات رقابية أو اقتصادية أو استثمارية واسعة، يفقد استقلاليته في الممارسة ويصبح كغيره سلطة سياسية لا بد من تحجيمها لمصلحة الدولة والسياسيين.
من مزايا أزمة 2008 المالية الدولية، انها حصلت وأصابت بشكل خاص الدول المتطورة بدءًا من الولايات المتحدة الى كافة أنحاء أوروبا. الدول النامية بقيت متعافية ليست بالصدفة، بل لأنها مارست خلال السنوات السابقة سياسات وقائية محافظة. مصارف الدول النامية والناشئة لم تغامر بالاستثمار بالأدوات السامة الخطرة التي اعتمدتها المصارف الغربية الكبرى. يقول «ستيغليتز» أن أزمة 2008 لم تكن قضاء وقدرا، بل حصلت نتيجة أخطاء الانسان وجشع المصرفيين واهمال المسؤولين.
قالت «جانيت يللن» الحاكمة السابقة للمصرف المركزي الأميركي أن احدى أهم وسائل السياسة النقدية هي التخاطب مع الأسواق أي اعلان أهداف المصرف المركزي وكيف سيحققها. هذا يسهل عملها ويخفف المخاطر الداخلية كما يؤثر على توقعات المواطنين ويخفف من ضبابية الأسواق. سياسة الشفافية هي احدى أهم ركائز السياسة النقدية كي يستقر الاقتصاد. قال «مرفين كينغ» حاكم المصرف البريطاني السابق ان هدف السياسة النقدية هو استقرار الأسعار على المدى الطويل. الفشل في مكافحة التضخم مكلف جدا للاقتصاد. فضرب التضخم يسمح بتحقيق النمو وبالتالي محاربة البطالة. للمصارف في رأي كينغ أهمية كبيرة وبالتالي وجب تقوية رأسمالها كي تستطيع الاقراض ومواجهة مخاطر الأسواق.
في رأي كينغ وغيره هنالك مبادئ أساسية يجب احترامها. يجب على السلطة التشريعية تحديد أهداف السلطة النقدية المستقلة، كما على المصرف المركزي أن يكون متنبها بحيث لا تستعمل الأموال العامة الموضوعة فيه لتمويل مشاريع أو انفاق غير مدروس كما حصل سابقا في لبنان. توسع المصرف المركزي في صلاحياته يضر به وباستقلاليته. من غير المقبول أن يتملك مصرف مركزي شركة طيران أو معالم سياحية، فهذا يتناقض مع دوره الأساسي.
من الضروري الاستمرار في محاربة التضخم عبر السلطة النقدية. استعمال السياسة النقدية لتحقيق النمو لم يكن ناجحا، عكس ما حققت السلطة المالية. تؤثر السلطة النقدية على النمو بطريقة غير مباشرة أي عبر استقرار الأسعار. هنالك مصارف مركزية تهدف الى محاربة التضخم عبر ربط نقدها بالدولار الأميركي كما يحصل في لبنان مثلا منذ عقود. لذا يتم استيراد السياسة النقدية الأميركية وبالتالي تقوم المصارف المركزية الوطنية بدورها عبر الولايات المتحدة وسياستها النقدية المدروسة. كم هي مهمة مساءلة حاكم المصرف المركزي الأميركي في مجلس الشيوخ علنا لتقوية الثقة والشفافية.