1 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 14-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة الطائف والطائفيون والجامعة اللبنانية
الطائف والطائفيون والجامعة اللبنانية
غازي العريضي
2026-09-14
الطائف والطائفيون والجامعة اللبنانية

 

فشلت الحكومة مرة جديدة في اتخاذ قرار تثبيت الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية، وكالعادة الحسابات طائفية مذهبية سياسية بعيدة كل البعد عن معايير الكفاءة والخبرة في مقاربة ملفات كثيرة. 

في بداية مسيرتي السياسية تكوّن وعيي في منظمة الشباب التقدمي والحركة الطلابية على قضايا وطنية وعربية، لكن قضية ديموقراطية التعليم ودور المدرسة الرسمية ومستقبلها وأهمية وجود جامعة لبنانية متطورة، تتيح فرصة التعليم أمام أبناء الفئات الشعبية المتوسطة الحال وتُسقط احتكار جامعتين أو ثلاث، لا يمكن لهؤلاء أن يدخلوا اليها. جامعة تضم كليات واختصاصات متنوعة. درست في الجامعة اللبنانية في كلية العلوم برئاسة الدكتور حسن مشرفية، الذي أشرف على تأسيسها ورعايتها، وحوله مجموعة من الأساتذة اللامعين في مجالات مختلفة. الكلية كانت منارة الكليات في المنطقة. شهادتها مرموقة محترمة مقدّرة ولا أنسى فضل استاذي د. مشرفية وغيره من الذين علّموني. 

اليوم الجامعة تطورت. توسّعت كلياتها ومعاهدها. فيها طاقات وخبرات وكفاءات مهمة رغم تقسيمها وتفريعها. حققت نتائج باهرة في عدد من الاختصاصات وصنّفت بين جامعات أولى في المنطقة، واحتلت مراتب متقدمة على مستوى الجامعات العالمية. هذا أمر مهم، وتقدّم وتطوّر يُشكر عليه كل الذين ساهموا في تحقيقه من الرئاسة الى عمداء ومدراء وإداريين. لكن الواجب يقضي ان نقول إن فيها ثغرات ومشاكل ينبغي حلّها بإجراءات قد تكون مؤلمة وصعبة لكن لا بد منها لضمان استمراريتها بسمعة ناصعة وباب مفتوح أمام الكفاءات والطاقات على مستوى الأساتذة والمسؤولين وأمام الطلاب الموهوبين أيضاً. المعيار الوحيد الذي يضمن هذه النتائج وبالتلازم مع توفير كل المقومات والإمكانات المطلوبة هو معيار الكفاءة. الجامعة مفتوحة لكل اللبنانيين وليثبت كل راغب في الإنتماء إليها كفاءته في التعليم والبحث والمواكبة العلمية لكافة الاختصاصات للنهوض بها الى أعلى المستويات. ثمة أمران لا يمكن التلاعب بهما بشكل أساسي في إدارة الدولة : خصوصاً الصحة والتعليم. المعيار السياسي أو المذهبي أو الطائفي لا يشكل الضمانة لتطوير أي مؤسسة من مؤسسات الدولة. أي اختيار خاطئ لمدير مستشفى أو مدير مدرسة ينعكس على الناس وصحتهم ومستقبل تعليم أولادهم. للأسف الحكومة فشلت في إقرار ملف تثبيت الأساتذة المتفرغين لأن النقاش لم يستند إلى معيار الكفاءة فقط وثمة كثيرون كفؤون ظُلموا بفشل الحكومة. النقاش انطلق من وتوقف عند حدود الحسابات الطائفية والمذهبية والسياسية. 

ثمة من يصرّ على المناصفة. وفي الوقت ذاته يزايد يومياً بالتمسّك باتفاق الطائف والدستور. ومسؤولون يُقلقون الناس بإصرارهم على التمسّك بالكتاب. أي الدستور. أي الطائف وثيقة الوفاق الوطني. ويخالفون كل ذلك في كثير من القرارات والتوجهات. أولاً الطائف يكرّس المناصفة في مناصب الفئة الأولى في الدولة. وبالتالي لا مخالفة دستورية أو تجاوز للدستور والميثاق إذا اعتمد معيار الكفاءة فقط. هنا، يلجأ البعض الى إثارة مسألة الميثاقية وكأنهم يشكّكون بمن كان يمثلهم في المناقشات التي أفضت الى الطائف الذين أيدوه ولا يزالون ولو نظرياً. في الطائف طرحت مسألة الميثاقية وكان اتفاق على الاتفاق الوثيقة وكُرّست وثيقة وفاق وطني يكاد لا يبقى منه شيئ بسبب الممارسات الشاذة والاستنسابية والانتقائية في تطبيقها. 

هنا يلجأ هذا الفريق ليقول: "وهل التزم فريق ما بالميثاقية في اتخاذ خيارات وقرارات كلفت البلاد والعباد أثماناً باهظة وعرّضتها لأخطار قاتلة؟ سؤال محق، وباب نقاش طويل، وربما يجد مؤيدين له ليصبح منطقاً متداولاً في النقاش. ولكن السؤال الأهم، إذا كان ثمة فريق أخطأ، وأنت اعترضت على خطئه، وخضت معارك كلفت البلاد الكثير أيضاً، هل تعود الى ارتكاب أخطائه وممارسة أساليبه؟ ليس في الطائف مناصفة في وظائف الدولة في الجامعة وغيرها إلا في وظائف الفئة الأولى. وهنا يأتي من ينادي يومياً بالسيادة ودولة القانون والقرار الواحد الحصري فيها أمناً وإدارة شؤون وقراراً سياسياً. وهذا ايضاً مهم جداً وحصلت تجاوزات كثيرة بتدخلات خارجية وقبول داخلي وتطبيقات للقانون تتناسب مع ظروف المرحلة التي نمر بها والجهة الخارجية الأكثر نفوذاً وتأثيراً وفرض كلمة وتدخلاً في أدق التفاصيل ومنها الجامعة على مستوى التعيينات ومنح الشهادات لاسيما العليا منها وتأقلم بل تفاعل بعض الداخل مع كل ذلك. 

لكن الذين يتحدثون عن الميثاقية والشراكة والقانون والواقع، لماذا يذهب بعضهم بعيداً في مهاجمة طائفة وإطلاق أبشع النعوت والصفات بحق أبنائها والشماتة ويستعين البعض "بحق اسرائيل" التي "اعتُدي عليها" "ولا أطماع لها في لبنان"، أهكذا يحمى لبنان وتعيش الميثاقية فيه؟ ولماذا باسم الميثاقية والدستور والقانون ترتكب خطيئة كبرى بحرمان ممثلي طوائف معينة من تسلّم حقائب أساسية سموها وزارات سيادية وأدخلوا اليها من هم ليسوا سياديين لامعين كفوئين ومارسوا السيادة استنساباً وانحرافاً؟ ومن قال أن ليس ثمة في الطوائف الأخرى من يؤتمن على ومن هو كفوء لتولي مسؤولية في إدارة تلك الوزارات؟

السيادة هي سيادة القانون. وإذا احتكمنا اليه مرجعاً وحيداً لتمكنّا من تحقيق الكثير الكثير. فتحت أي عنوان يتفاخر هؤلاء "السياديون" "والطائفيون" في الحديث عن ممثليهم وكفاءاتهم وخبراتهم وإنجازاتهم في الوزارات؟ وقد مرّ وزراء من "طوائف محرومة" من الوزارات المهمة في وزارات تعتبر عادية حولوها الى وزارات سيادية بكل ما للكلمة من معنى.

هذا نقاش لن يتوقف في لبنان، وسيكون صعباً في هذه المرحلة بالذات، لكن اعتماد المعيار الواحد والاستناد الى القانون وتأكيد مبدأي المساءلة والمحاسبة : هو الطريق لبناء دولة المواطن الانسان. دولة تحمي كرامته، وتطور مؤسساته. 

اليوم، الجامعة اللبنانية هي الموضوع. لينجز ملف التفرّغ على هذا الأساس ولنذهب الى ورشة وطنية لإصلاحها وتطويرها ودفع مسيرتها والبناء على ما تحقق من إيجابي ومعالجة السلبي، لتستمر جامعة وطنية حصناً للبنان وأجياله، يحمينا جميعاً ويفتح أمام ابنائنا أبواب العلم والإنتاج والبحث والإبداع في مجالات مختلفة. هذا يستوجب الخروج من كهوف الجهل والتعصّب والمذهبية وحسابات الزواريب الضيقة. 

أخبار مماثلة