من المعروف أنّ يونس بن عبد الأعلى كان أحد تلامذة الإمام الشافعي، رحمه الله. وذات يوم، اختلف يونس مع أستاذه الشافعي في مسألةٍ ما، أثناء إلقائه درسًا في أحد المساجد، فغضب يونس، وقام وترك الدرس، وعاد إلى بيته.
فلما أقبل الليل، سمع يونس طرقًا على باب منزله، فقال: من بالباب؟
أجاب الطارق: «محمد بن إدريس».
فقال يونس: «والله، لقد فكّرت في كل من اسمه محمد بن إدريس، إلا الإمام الشافعي!»
قال: فلما فتحت الباب، فوجئت به.
فقال له الإمام الشافعي:
«يا يونس، تجمعنا مئات المسائل، وتفرّقنا مسألة؟
يا يونس، لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات؛ فأحيانًا كسب القلوب أولى من كسب المواقف.
يا يونس، لا تهدم الجسور التي بنيتها وعبرتها؛ فربما تحتاج إليها للعودة يومًا ما.
يا يونس، اكره الخطأ دائمًا، ولكن لا تكره المخطئ، وأبغض بكل قلبك المعصية، لكن سامح وارحم العاصي.
يا يونس، انتقد القول، لكن احترم القائل».
ما أجمله من كلامٍ ينمّ عن رقيٍّ وأخلاقٍ عالية! وكيف لا، وهو منسوب إلى الإمام الشافعي، رحمه الله. إنها أخلاق الكبار؛ أخلاقٌ ترفع الخلاف من درك الخصومة إلى أفق الحكمة، وتحول التباين من سببٍ للفرقة إلى جسرٍ للفهم، وتجعل من الاختلاف وسيلةً للتقارب لا ذريعةً للتنافر.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتقلّ فيه الإصغاءات، نغدو أحوج ما نكون إلى هذا النَّفَس النبيل؛ إلى أن نُحسن إدارة اختلافنا، لا أن نُحسن إشعاله. فالفكرة تُناقش، والرأي يُمحَّص، والموقف يُنقد، أما الإنسان فمكانه محفوظ، وكرامته مصونة، لا تُمسّ ولا تُساوَم.
إن مهمتنا أن نقضي على المرض، لا على المرضى؛ وأن نواجه الخطأ، لا أن نحطّم أصحابَه؛ وأن نُصلح ما فسد، لا أن نزيد الشقاق اشتعالًا. فالاختلاف، حين تحكمه الأخلاق، قد يكون بابًا إلى النضج، أما حين تنزعه من صاحبه إنسانيته، فإنه يتحول إلى خصومةٍ لا تنتهي.
ولعلّ أبلغ ما نتعلمه من هذه المعاني أن الإنسان لا يُقاس بقدرته على الانتصار في الجدل، بل بقدرته على حفظ الودّ وهو يختلف، وصون الكرامة وهو ينتقد، ومدّ الجسور وهو يرى أمامه مسافاتٍ من التباين. فكم من موقفٍ انتصر فيه صاحبه، لكنه خسر قلبًا، وكم من كلمةٍ قيلت في لحظة غضب هدمت علاقةً كان بناؤها قد استغرق أعوامًا.
وكم نحتاج إلى هذا المعنى في أيامنا هذه، وكم نحتاج إلى حوار الكبار لتصحيح المسار، وإلى تلك المفاهيم القيّمة التي تُبدّد الجهل المطبق الذي لازم مسيرة وطنٍ جريح، استُبيحت فيه المحارم والحرمات.
فليس كل اختلافٍ معركة، وليس كل مخالفٍ خصمًا، وليس الرجوع عن الخطأ هزيمة. إنما الكِبَر الحقيقي أن نعرف متى نتكلم، وكيف نختلف، ومتى نصمت، ومتى نمدّ أيدينا لمن اختلفنا معه.
فالكلمة قد تربح موقفًا، ولكن الأخلاق تربح إنسانًا؛ والمواقف قد تنتهي، أما أثر الإنسان في قلب أخيه فقد يبقى عمرًا كاملًا.
فهل من يعتبر؟
وهل من يسمع؟
وهل من يتّعظ؟