2 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 15-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم السعودية وفلسطين.. من عمق التاريخ إلى شراكة المستقبل
السعودية وفلسطين.. من عمق التاريخ إلى شراكة المستقبل
د. عبد الرحيم جاموس
2026-09-15
السعودية وفلسطين.. من عمق التاريخ إلى شراكة المستقبل

لم تكن فلسطين في الوجدان السعودي يومًا قضية سياسية عابرة، ولا ملفًا من ملفات السياسة العربية التي تتقدم أو تتراجع تبعًا للظروف. فقد ظلت فلسطين، بما تمثله من أرض وحقوق وشعب ومقدسات، حاضرة في الموقف السعودي، سياسيًا وإنسانيًا وقوميًا وإسلاميًا، عبر مختلف المراحل والتحولات التي شهدتها المنطقة.

ومن واقع معايشة امتدت لأكثر من أربعة عقود في المملكة العربية السعودية، ومتابعة مباشرة للشأن الفلسطيني والعمل في مؤسساته، يمكن القول إن الدعم السعودي لفلسطين تجاوز حدود المساعدة والإغاثة إلى موقف سياسي ثابت، عبّرت عنه المملكة في مختلف المحافل، وكرسته مواقفها ومبادراتها وتحركاتها العربية والدولية. وقد شكلت مبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة في قمة بيروت عام 2002 محطة مفصلية في هذا المسار، حين طرحت رؤية عربية متكاملة للسلام تقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية مقابل السلام والعلاقات الطبيعية.

ولم يكن ذلك الموقف منفصلًا عن مسار المملكة التاريخي تجاه القضية الفلسطينية؛ فالمساعدة الإنسانية وإعادة الإعمار، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، والتحرك السياسي والدبلوماسي، ظلت مسارات متكاملة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن معالجة آثار الاحتلال لا يمكن أن تكون بديلًا عن إنهائه.

واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى الانتقال من مرحلة تأييد حل الدولتين إلى مرحلة العمل الفعلي على تنفيذ حل الدولتين. فقد أثبتت التجربة الطويلة أن إبقاء الحل في دائرة البيانات والتأييد السياسي، من دون آليات تنفيذ وضمانات وإطار زمني، يتيح استمرار الاحتلال والاستيطان وتآكل إمكانية قيام الدولة الفلسطينية.

وهنا تتقدم أهمية الدور السعودي في المرحلة الراهنة؛ فالمملكة بما لها من مكانة عربية وإسلامية ودولية، وعلاقات متوازنة مع مختلف القوى المؤثرة، تملك قدرة حقيقية على الإسهام في بناء موقف دولي أكثر فاعلية، ينقل القضية من إدارة الصراع إلى العمل على إنهائه، ومن التعامل مع نتائجه إلى معالجة أسبابه.

وفي هذا السياق تكتسب الشراكة السعودية–الفرنسية، وما يمكن أن يتولد عنها من تعاون أوسع مع القوى الدولية، أهمية خاصة في الدفع باتجاه تنفيذ حل الدولتين على أساس واضح: إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، وبما يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

وتنبع قوة الموقف السعودي من شموليته واستقلاله عن الاصطفافات؛ فهو لا ينحاز إلى تفصيل فلسطيني ضد آخر، بل يتعامل مع فلسطين باعتبارها قضية شعب وحقوق وطنية ومشروع دولة. وأي محاولة لإقحام الموقف السعودي في اصطفاف فصائلي لا تعكس حقيقته، بل تشوّه جوهره وطبيعته وأهدافه.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب الوحدة الوطنية الفلسطينية أهمية خاصة. فالمطلوب أن تبقى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية جزءًا من وحدة سياسية وجغرافية ووطنية واحدة، وأن يكون الإطار الوطني الفلسطيني الجامع، وفي مقدمته منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، أساسًا لأي ترتيبات تتصل بمستقبل القضية والدولة الفلسطينية.

أما غزة، فلا ينبغي أن تتحول مأساتها الإنسانية وإعادة إعمارها إلى مسار منفصل عن الحل السياسي. فالإعمار ضرورة إنسانية ووطنية، لكنه لا يعالج أصل المشكلة ما لم يترافق مع إنهاء الحرب، ووقف الاحتلال والعدوان، وإعادة توحيد الأرض والمؤسسات الفلسطينية، وفتح الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية. ولا يجوز أن تصبح إعادة الإعمار وسيلة لإدارة واقع مؤقت أو تثبيت الانقسام بدل إنهائه.

إن جوهر المسألة اليوم هو أن الشعب الفلسطيني لم يعد بحاجة إلى مزيد من الوعود وحدها، وإنما إلى إرادة سياسية دولية قادرة على ترجمة القرارات والمواقف إلى خطوات عملية. وهنا يمكن للدور السعودي أن يتجاوز إطار الدعم التقليدي إلى الإسهام في صياغة مرحلة جديدة، تتكامل فيها القوة العربية مع الحضور الدولي، ويتحول فيها التأييد لحل الدولتين إلى مسار تنفيذي واضح.

لقد قطعت القضية الفلسطينية مسافة طويلة من النضال والتضحيات، وظلت المملكة خلالها في موقع الداعم للحق الفلسطيني، لا طرفًا في الانقسامات الفلسطينية. وهذه خصوصية مهمة في الموقف السعودي؛ لأنها تمنحه مساحة للتحرك من أجل القضية بوصفها قضية وطن وشعب، وليس بوصفها قضية فصيل أو تيار.

ومن هنا فإن المستقبل لا يحتاج إلى إعادة إنتاج المبادرات السابقة بقدر ما يحتاج إلى البناء عليها. فمبادرة السلام العربية تظل إطارًا عربيًا مهمًا، وحل الدولتين يظل الطريق السياسي المطروح دوليًا، لكن التحدي الحقيقي يكمن في توفير الإرادة والآليات والضمانات التي تنقل هذه المبادئ من دائرة التأييد إلى دائرة التنفيذ.

وهذا هو المعنى الأعمق للشراكة السعودية–الفرنسية والدولية المنشودة: أن تتحول الجهود من مجرد إدارة الأزمة الفلسطينية إلى معالجة جذورها، وأن يصبح إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية هدفًا عمليًا محددًا بإطار زمني واضح، وبصورة موثوقة ونهائية وغير قابلة للانتكاس.

فالعلاقة السعودية–الفلسطينية، بما راكمته من تاريخ طويل من التضامن والمواقف والدعم، مؤهلة اليوم للانتقال إلى مستوى جديد؛ مستوى الشراكة في صناعة مستقبل فلسطيني يقوم على الحرية والاستقلال والسيادة، ويضع حدًا للاحتلال، ويفتح الطريق أمام سلام عادل وشامل ومستقر في المنطقة.

إن فلسطين لا تحتاج إلى أن تبقى قضيةً مؤجلة في الذاكرة العربية والدولية، بل أن تتحول حقوق شعبها إلى واقع سياسي وقانوني. ومن عمق التاريخ السعودي–الفلسطيني يمكن أن تبدأ شراكة المستقبل: من دعم فلسطين إلى تمكينها، ومن مبادرة السلام إلى تنفيذ السلام، ومن إدارة الصراع إلى إنهائه.

جنوبيات
أخبار مماثلة