خرج مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا يوم السبت، في تحرك جمع مطالب الطلاب بتحسين التعليم مع الاعتراض على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وبينما سارت تجمعات واسعة سلمياً، شهدت مدن أعمال نهب وإحراق استهدفت منشآت عامة وتجارية.
قدّرت وزارة الداخلية المشاركين في الاحتجاجات بنحو 550 ألف شخص، في مقابل 800 ألف بحسب اتحاد “سي جي تي”. ونُهِبت متاجر فاخرة ومتاجر كبرى وأُحرِق مكتب السياحة في ليون، فيما أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توقيف نحو 1,200 شخص. ولم تتوافر بعد حصيلة مالية موثقة للأضرار.
وراء مشاهد الشارع، تظهر أزمة يصعب اختزالها في رقم العجز: كيف تتوزع الموارد والأعباء بين الأجيال والمناطق؟ وماذا تحصل عليه الأسرة، في مقابل ما تدفعه، من تعليم وخدمات وفرص عمل؟
المنح الجامعية في فرنسا… تغطية تتقلص
تقدم أحدث بيانات وزارة التعليم العالي مؤشراً مباشراً على الضغوط الطلابية. استفاد 656 ألف طالب من المنح القائمة على معايير اجتماعية خلال السنة الجامعية 2025-2026، بانخفاض 0.8% خلال عام.
وبلغت نسبتهم 34.5% من الطلاب داخل التخصصات المؤهلة لهذه المنح، وهي الأدنى منذ عام 2012. وعلى مدى خمس سنوات، انخفض عدد المستفيدين 12.5%.
وتعزو الوزارة تراجع العامين الأخيرين أساساً إلى عدم تحديث حدود الدخل المؤهلة للمنح، بالتزامن مع أثر التضخم السابق. أما الانخفاض الأطول فتدخل فيه أيضاً عوامل مثل توسع التدريب المهني بالتناوب بين الدراسة والعمل، الذي لا يمنح أصحابه أهلية لهذه المنح.
وقد يرتفع دخل الأهل اسمياً، فتضعف أهلية الابن أو الابنة للمنحة، من دون تحسن مماثل في قدرة الأسرة على دفع الإيجار والطعام والنقل. هنا تتحول القواعد الإدارية إلى مسألة معيشية.
في المقابل، تقول الحكومة إنها خصصت 2.46 مليار يورو (نحو 2.77 مليار دولار) للمساعدات الاجتماعية الطلابية. وتتراوح المنح لعام 2026-2027 بين 1,454 يورو سنوياً (نحو 1,636 دولاراً) و6,335 يورو (نحو 7,129 دولاراً)، تُدفع عادة على عشرة أشهر. وأعلنت تعميم وجبة بسعر يورو واحد (نحو 1.13 دولار) على الطلاب جميعاً منذ أيار/مايو 2026.
إذاً، ثمة مساعدات فعلية، لكن الخلاف يتعلق بكفايتها، ومن تشملهم، وما تحتفظ به من قيمة بعد ارتفاع التكاليف.
تمويل التعليم… ماذا تعني نسبة 20%؟
قدّر الاقتصادي توماس بيكيتي، في مقال نشرته “لوموند” في 17 تشرين الأول، تراجع التمويل الحقيقي لكل طالب في التعليم العالي بنحو 20% منذ عام 2017، مستنداً إلى حسابات الاقتصادي لوكاس شانسل التي تراعي الميزانية والتضخم وزيادة أعداد الطلاب.
وهذا تقدير تحليلي، وليس قراراً بخفض المنح الطلابية أو ميزانيات التعليم كلها بالنسبة نفسها. لكن الفكرة التي يطرحها تمس جوهر الاحتجاج: قد ترتفع الميزانية باليورو، بينما تتراجع الموارد المتاحة لكل طالب بعد احتساب الأسعار وتوسع أعداد الملتحقين.
القدرة الشرائية… الطاقة تعيد الضغط على الأسر
تراجعت القدرة الشرائية للدخل المتاح لكل وحدة استهلاك 0.6% في الربع الثاني من عام 2026، بعد انخفاض 0.2% في الربع الأول. وهذا مقياس يراعي حجم الأسرة وتركيبتها، ولا يعني انخفاض الأجور كلها بالنسبة نفسها.
وفي الفترة نفسها، استقر الناتج المحلي بعد انكماش 0.2% في الربع الأول، وتراجع الاستثمار 0.3%. ثم أظهرت بيانات أيلول/سبتمبر ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 3.1%، في مقابل 2.4% في آب/أغسطس. وكانت الطاقة مصدر ضغط بارز، بزيادة أسعارها 21.3% سنوياً، مقابل ارتفاع الغذاء 1.4%.
وتختلف التجربة بين أسرة تعتمد على السيارة وتدفع تكلفة تدفئة مرتفعة، وأخرى أقل تعرضاً إلى هذه النفقات. لذلك لا يصف متوسط التضخم بالتساوي ما يشعر به الجميع.
ضريبة القيمة المضافة 20%… ليست زيادة مماثلة في الفاتورة
المعدل العادي لضريبة القيمة المضافة في فرنسا المتروبولية هو 20%، لكن ثمة معدلات أقل لسلع وخدمات أخرى، فلا تخضع المشتريات كلها إلى المعدل نفسه.
وفي قرار يمس نفقات المنزل، ارتفعت الضريبة على الجزء الثابت من اشتراكات الغاز والكهرباء من 5.5% إلى 20% اعتباراً من أول آب 2025. ولا يعني ذلك ارتفاع فاتورة الطاقة 20%، إذ كان الاستهلاك خاضعاً أصلاً للمعدل العادي. ورافقت تعديل الكهرباء تخفيضات في مكونات أخرى من التعرفة لتخفيف أثره، فتختلف النتيجة بحسب الاستهلاك والعقد.
البطالة والشباب… القلق يمتد إلى ما بعد الدراسة
بلغت البطالة 8.3% في الربع الثاني من 2026، بزيادة 0.7 نقطة مئوية عن العام السابق، ووصل عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 2.7 مليون شخص.
وللمقارنة العمرية، بلغ معدل بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً 19.8% في متوسط عام 2025. وهذه النسبة تخص الشباب النشطين اقتصادياً، ولا تعني أن خُمس الشباب جميعاً عاطلون عن العمل، إذ يواصل كثيرون دراستهم.
بالنسبة إلى الطالب، لا ينفصل وضع الجامعة عن السؤال الذي ينتظره عند التخرج: هل تقود الدراسة إلى وظيفة ودخل يسمحان بالاستقلال عن الأسرة؟
الفقر والتفاوت… تحسن المتوسط لا يشمل الجميع بالتساوي
بلغ معدل الفقر النقدي 15.4% في عام 2024، أي نحو 9.8 ملايين شخص في فرنسا المتروبولية. ووصل مُعامِل “جيني” لقياس تفاوت الدخل إلى 0.302، أعلى مستوى في السلسلة منذ عام 1996.
وفي الوقت نفسه، ارتفع مستوى المعيشة الوسيط الحقيقي 1.8%. لذلك لم يُنهِ تحسن بعض المؤشرات الفقر أو يمنع اتساع التفاوت.
وتكشف الحسابات أهمية الحماية الاجتماعية: كان معدل الفقر سيبلغ 22.3% قبل احتساب الإعانات الاجتماعية وبعد اقتطاع الضرائب المباشرة، في مقابل 15.4% بعدها. أي إن الإعانات تخفضه 6.9 نقاط مئوية.
المناطق والهجرة… تفاوت في الوصول إلى الفرص
بلغ الفقر 29.5% في سين سان دوني في عام 2023، فيما تظهر بيانات التشغيل بطالة قدرها 10% في أو دو فرانس، في مقابل 6.8% في بايي دو لا لوار، خلال الربع الثاني من عام 2026. وتوضح هذه الفوارق أن مكان السكن يرتبط ببيئة اقتصادية واجتماعية متفاوتة.
وفي ملف الاندماج، بلغت البطالة بين المهاجرين 12% في عام 2025، في مقابل 7% بين غير المهاجرين، وفق المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي). وتحتاج قراءة الفجوة إلى النظر في المؤهلات واللغة والاعتراف بالشهادات والتمييز، مع اختلاف الأوضاع بين المهاجرين وأبنائهم. وهذه مؤشرات اجتماعية لا تثبت هوية مرتكبي التخريب أو دور الهجرة في أحداث السبت.
أما المنشآت المتضررة، فقد تواجه خسائر في البضائع وأيام العمل وتكاليف إصلاح، يتوقف حجمها على الحصر والتغطية التأمينية. وقد يكون أصحابها والعاملون فيها تحت الضغوط نفسها التي أخرجت آخرين للاحتجاج. وهنا تضيف أعمال التخريب عبئاً اقتصادياً إلى أزمة تستدعي استجابة للخدمات والدخل وتكافؤ الفرص.