14 جمادى الأولى 1448

الموافق

الإثنين 26-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة ثوابت "إســــــرائيل" والمسؤولية الوطنية
ثوابت "إســــــرائيل" والمسؤولية الوطنية
غازي العريضي
2026-10-26
ثوابت "إســــــرائيل" والمسؤولية الوطنية

 

وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين معلومات عن نتائج زيارات وفود أجنبية إلى إسرائيل، واتصالات أجريت مع المسؤولين الإسرائيليين حول الوضع في لبنان من قبل جهات دولية مختلفة. الخلاصة المختصرة تؤكد التالي: 

1 – يقول الإسرائيليون: "لا يذكرنّ أحد أمامنا اسم فرنسا، وامتداداً اسم أوروبا. وعندما ينهي عدد من الدول مسألة منتوجات المستوطنات فلكل حادث حديث. نحن لسنا مستعجلين والذين استعجلوا الموافقة على دولة فلسطينية ويستمرون في إطلاق مواقف ضدنا تصبّ في خانة حملة مبرمجة لتشويه سمعتنا، لا يمكن أن يكونوا وسطاء أو شركاء. الإرهاب الذي يواجهنا هنا انتقل إلى ساحات مدنهم "! هذا في المبدأ. 

2 – "لا تجديد لقوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني ولا ضرورة لوجود قوات دولية تحت أي عنوان أو مسمّى! ثمة جيش إسرائيل هنا. وجيش لبناني في المقابل هناك. إذا حصل أي شيء يمكن أن يكون تنسيق بيننا".

الهدف: بقاء المنطقة مكشوفة. الساحة مستباحة. تفعل إسرائيل ما تشاء من دون حسيب أو رقيب. والقاعدة: "لا يحمي أمن إسرائيل إلا الجيش الإسرائيلي. لن نعرّض أنفسنا مجدداً للخطر". وهذا أساس عقيدتهم الثابتة ويشعرون اليوم أنهم أخذوا ما يريدون والفرصة الحالية لا تتكرّر. "لبنان غير قادر على فعل شيئ. المنطقة تحترق. بعض دولها يؤيدنا ويدعونا إلى استكمال حربنا للتخلّص من إيران وأذرعها من لبنان إلى اليمن وقد قطعنا شوطاً كبيراً وسننجز المهمة". 

وهذا الموقف يؤكد المحاولة الدائمة لاستدراج الجيش اللبناني للتنسيق معهم بشكل مباشر، ودفعه لتنفيذ شروطهم بالكامل، ووضعه في مواجهة أبناء بلده! وثمة حملة قاسية يخوضونها ضد قائد الجيش وتؤازرهم فيها الإدارة الأميركية وجهات لبنانية داخلية وتصل إلى حد المطالبة بإقالته. وهذا جانب من جوانب الضغط على رئيس الجمهورية. بالمناسبة الموقف من الجيش ليس جديداً وما يجري اليوم تصفية حساب معه. في 9/10/2008 كتبت مقالاً بعنوان: "شحنة ذكريات" في كتاب "عرب بلا قضية" في الصفحة 24 جاء فيه: "... خرج عسكريون إسرائيليون ليعلنوا خطتهم لتدمير لبنان بعد استخلاص الدروس والعبر من حرب تموز 2006 وعدوهم الأول الجيش". 

غادي ايزنكوت منافس نتانياهو القوي في انتخابات الغد كان قائد الجبهة الشمالية نقل عنه الجنرال غيورا آيلاند رئيس شعبة التخطيط في هيئة الأركان: "في الحرب المقبلة ستتم تصفية الجيش اللبناني وسندمر البنى التحتية وسيعاني السكان اللبنانيون". 

3 – في هذا السياق، طالب موفدون دوليون بإعطاء الرئيس اللبناني شيئاً مقابل "الخطوة الشجاعة الجريئة التي أقدم إليها ولم يسبقه أحد اليها"، في ظل وضع سياسي داخلي معقّد وسبّبت له متاعب كثيرة ولم يتراجع ويصرّ على التمسك بها، ولكن يشعر بخيبة. لماذا لا تبادرون إلى خطوة منطقة نموذجية جديدة كما ورد في اتفاق الإطار؟ لماذا لا تطلقون بعض الأسرى مثلاً؟ الجواب: "لن نفعل شيئاً. هل نجحوا في المنطقة النموذجية الأولى؟ ماذا فعلوا؟". هنا عودة إلى تحميل الجيش المسؤولية وامتداداً رئيس الجمهورية. "يكفي أننا لا نزال نحكي معهم. ونحن لسنا مستعجلين". هذا ما قاله بعض الإسرائيليين. 

4 – "لا وقف لإطلاق النار. لا انسحاب. ولا اطمئنان من قبلنا قبل أن يقوم جيش لبناني قوي قادر على فرض الأمن وحماية أمننا". 

5 – ثمة رفض تام لتسليم ثكنات ومقرات اليونيفيل للجيش اللبناني. 

6 – طرحت فكرة مجيء لجنة من مجلس حقوق الإنسان للاطلاع على الوضع في الجنوب ومعاينة نتائج العدوان الإسرائيلي وتقصّي الحقائق، فرفض الإسرائيليون. طرحت فكرة بديلة: أن تزور اللجنة شمال اسرائيل للاطلاع على "جرائم حزب الله" هناك حسب الوصف الإسرائيلي الدائم. تكرّر الرفض والسبب: "هذا يتناقض مع اتفاق الإطار". للأسف هذا يندرج في أحد بنود الإتفاق: لا مقاضاة لإسرائيل أمام أي جهات دولية او مؤسسات قانونية. 

لقد أخذ الإسرائيليون -كما قلنا ونكرّر- ما لم يكونوا يحلمون به، وليسوا مضطرين لمسايرة أحد. إنهم يعملون على توسيع دائرة عدوانهم وإثارة كل المشاكل عندنا وتعميم الفوضى. حتى في قطاف الزيتون وجرف أشجاره كانت ممارسات ترمي إلى إثارة تمييز طائفي بين اللبنانيين. والأمور ذاهبة إلى مزيد من التدهور والخطورة، في ظل انقسامات خطيرة عميقة، فراغ مخيف عشنا مثله خلال الحرب الأهلية والتخاطب كان بالمدافع والتهديد والوعيد، ومع ذلك كانت محاولات تحمل المخاطرة في الداخل. وكانت حركة الموفدين العربية وغير العربية لا تهدأ تجاه لبنان. كانت مؤتمرات ولقاءات في الخارج واتصالات غير معلنة بين لبنانيين في هذه العاصمة أو تلك. كان يُملأ الفراغ بطريقة أو بأخرى إلى أن جاءت الساعة: الطائف. ثم الدوحة. الأخطر اليوم أن إسرائيل وحدها تتحرك على كل الساحات وتستبيح كل شيئ. وثمة تخلّ عن لبنان. لا معادلة إقليمية ولا معادلة دولية تتيح ملأ الفراغ بنقاش سياسي لوضع حد لما يجري عندنا. قلت سابقاً: "كنا عندما نقول القضية يتبادر إلى ذهننا فوراً القضية الفلسطينية. اليوم نحن أمام قضايا، لبنانية. سورية. عراقية. يمنية. ليبية. سعودية. سودانية. صومالية. أردنية. خليجية عموماً. ومن رحم كل قضية تتفرّع قضايا متنوعة وساحات المنطقة كلها مشتعلة. ويريدون الآن القضاء على القضية الأم". 

حالة الفراغ في لبنان توازيها حالة فراغ عربي خطير وانهيار كبير. ماذا نفعل نحن؟ إذا أقدم الزعيم الوطني وليد جنبلاط ودعا بشجاعة إلى الحوار انطلاقاً من خبرة عميقة وإطلاع واسع على كثير من المعلومات والنقاشات التي تدور في كواليس مراكز قرار مهمة، قامت القيامة. في نظر كثيرين: لا ضرورة للحوار. وفي نظر بعض هؤلاء وبوضوح "لتكمل اسرائيل عملها وتخلّصنا منهم"؛ أي من الشيعة. ليقدم الجيش. وحملة عبثية ضده وضد قيادته. دعوات لتغييره. وثمة من ذهب إلى الإفصاح: قد تصل الأمور في وقت ما إلى المطالبة بتغيير رئيس الجمهورية وكل هذا يضمر نيات خطيرة وأهدافاً مدمّرة. 

وليد جنبلاط عندما قال كلامه، كان السقف واضحاً ومنذ البداية: قرارات الحكومة. حصر السلاح. طرح ملاحظات على اتفاق الإطار توصّل إليها المعنيون واللبنانيون عموماً. قبل حرب الإسناد كشف أنه حذّر حزب الله. واليوم يؤكد: لا نريد أن تجرنا إيران إلى حرب جديدة. انتقد الحزب. ودعا إلى استكمال التحقيقات في موضوع شاحنة المتفجرات ورفض أي محاولة للعرقلة. هذا منطق الدولة. ولكنه في الوقت ذاته رفض بمنطق الحرص على لبنان ووحدته ومستقبله أي خطاب يحمل كراهية وحقد تجاه الطائفة الشيعية الكريمة، ويدعو إلى ترحيل أبنائها إلى الخارج، محذراً من مخاطر هذا الخطاب والدعوات إلى الفدرالية أو كل ما يمكن أن يؤدي إلى تعميق الانقسام. 

حزب الله مدعو إلى مراجعة حقيقية، إلى قراءة دقيقة للوضع الداخلي وتعقيداته وما سبقه من حروب، إلى قدرة الناس على التحمّل، إلى مشاعر الناس ومصالحهم وظروفهم الحياتية والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية الخانقة والخوف على مستقبلهم. الوقوف عند هذه المسائل الجوهرية بتعقّل وحكمة وهدوء هو نوع من المقاومة لما يستهدف لبنان ويهدّد مصيره ووحدته. 

القوى السياسية المندفعة بخطاب عبثي وتريد دفع الأمور إلى مواجهات وتبسّطها فتشبّه التركيبة اللبنانية بالمعادلة السياسية في أميركا: "عندما يأتي رئيس جديد ثمة 5000 وظيفة يتم تغيير المسؤولون عنها". أقول بأسف: هذا استهتار بعقول الناس. نحن في لبنان، وفي هذا اللبنان هؤلاء أنفسهم يقيمون القيامة على قرارات أقرّها اتفاق الطائف ويكرّرون إعلامياً التزامهم به تحت عناوين ضرورة حفظ التوازن ومراعاة الخصوصية اللبنانية التي يتجاهلونها ويتجاوزونها بخطابهم السياسي ومقاربتهم للواقع القائم في لبنان، كما ذكرنا. إذا استمر الوضع على ما هو عليه لن يبقى شيء من البلد الذي نعرفه. وما يجري في المنطقة والحريق الشامل المرتقب لن يحمي لبنان بل سيعرّضنا لخسائر كبيرة إضافية. ولذلك دعا جنبلاط أيضاً إلى حوار إقليمي دولي مع إيران، وتلاقى فيه مع دعوات كبار وخبراء في شؤون المنطقة من عمرو موسى إلى حمد بن جاسم ومحمد بن راشد وشيخ الأزهر.. نار الخليج ستكوينا بلقمة عيشنا وخير أبنائنا العاملين هناك مثل كل الدول العربية. فهل بالخفة والعبثية والحقد والكراهية تعالج الأمور؟ شيء من التعقّل والتروّي والهدوء والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية الجامعة. أما الذين يعتقدون أن الانغلاق والتقوقع تحت أي مسمّىً من المسميات سيكون ضماناً لهم هم خاطئون، لأن ذلك سيؤدي إلى انفجارات داخلية مختلفة ونزاعات لا تضمن استقراراً وحروب إلغاء من نوع آخر، كأنهم لم يتعلموا أو لا يريدون. إنها شهوة السلطة العمياء والنفوذ التي ستدمّر كل شيء. 

ثوابت إسرائيل خطر على كل اللبنانيين. في المقابل، لا ثوابت لبنانية جامعة، وتعاطي بعض القوى مع الخطر أقل بكثير من مستوى المسؤولية الوطنية المطلوبة، كي لا نقول أكثر من ذلك.

المدن
أخبار مماثلة