21 جمادى الأولى 1448

الموافق

الإثنين 02-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة على بريطانيا أن تواجه الانتهاكات التي كانت ستدينها لو ارتُكبت اليوم في فلسطين
على بريطانيا أن تواجه الانتهاكات التي كانت ستدينها لو ارتُكبت اليوم في فلسطين
2026-11-02
على بريطانيا أن تواجه الانتهاكات التي كانت ستدينها لو ارتُكبت اليوم في فلسطين


بقلم: فيكتور قطان، أحد المستشارين القانونيين لحملة "Britain Owes Palestine"، وأستاذ مساعد في القانون الدولي العام بجامعة نوتنغهام.
أزال عمالٌ في القدس الشرقية مؤخرًا لافتةً تحمل عبارة "القنصلية العامة البريطانية". فمنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان لبريطانيا حضور دبلوماسي في المدينة، إبان العهد العثماني، وخلال فترة الانتداب البريطاني، وصولًا إلى ما يقارب ستة عقود من الاحتلال الإسرائيلي. وقد أغلقت إسرائيل القنصلية ردًا على العقوبات التي فرضتها الحكومة البريطانية على المستوطنات في الضفة الغربية.
وعند الإعلان عن هذه العقوبات، صرّح وزير الخارجية إد ميليباند بوضوح أمام مجلس العموم بأن المستوطنين يمارسون التطهير العرقي بحق الفلسطينيين. وللمرة الأولى منذ جيل كامل، تصف حكومة بريطانية ما يتعرض له الفلسطينيون في أرضهم بحقيقته، بوصفه تجريدًا لهم من ممتلكاتهم وأراضيهم.
لكن بريطانيا، رغم إدانتها اليوم لما يتعرض له الفلسطينيون، لم تعترف بما يكفي بدورها في نشأة هذا الواقع.
تحلّ اليوم، الاثنين 2 تشرين الثاني، ذكرى صدور وعد بلفور عام 1917. ففي رسالة وجّهها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد، تعهّد فيها بدعم بريطانيا إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين. لكن الجزء الذي قلّما يُستشهد به من الرسالة هو بقية الجملة، التي تنص على: "على أن يكون مفهومًا بوضوح أنه لن يُتخذ أي إجراء من شأنه الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين.
وكانت هذه "الطوائف غير اليهودية"، التي تضم العرب المسلمين والمسيحيين، تشكّل نحو 90% من سكان فلسطين آنذاك. ومع ذلك، لم تلبث بريطانيا أن تخلّت عن التزامها بحماية حقوقهم.
وفي مذكرة خاصة تعود إلى عام 1919، أقرّ بلفور بأن بريطانيا "لا تنوي في فلسطين حتى القيام بالإجراء الشكلي المتمثل في استطلاع رغبات السكان الحاليين في البلاد". وأضاف أن الصهيونية "تحمل أهمية أعمق بكثير من رغبات ومخاوف 700 ألف عربي يقطنون تلك الأرض العريقة اليوم.
وسارت السياسة البريطانية على النهج ذاته. فعلى الرغم من أن ميثاق عصبة الأمم اعترف، بصفة مؤقتة، بالمجتمع العربي العثماني في فلسطين بوصفه "أمة مستقلة" ينبغي إعدادها "للحكم الذاتي"، ظلت الأغلبية العربية لما يقرب من ثلاثين عامًا دون هيئة حاكمة منتخبة تتمتع بصلاحيات فعلية. وعندما طُرح، في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، حلّ توفيقي تمثّل في إنشاء مجلس تشريعي محدود الصلاحيات، رفضه البرلمان البريطاني في وستمنستر وأسقطه. 
وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية عام 1936، ردّت بريطانيا بفرض قوانين الطوارئ. فأصبح بإمكان الحاكم الإداري للمقاطعة سجن أي شخص لمدة عام دون محاكمة، مع إمكانية تجديد أمر الاعتقال إلى أجل غير مسمى. وفُرضت غرامات جماعية على قرى بأكملها، تمثّلت في مبالغ نقدية ومواشٍ ومحاصيل زراعية، على خلفية مخالفات لم يُقدَّم للسكان أي دليل على ارتكابهم لها. كما فجّر الجيش البريطاني أجزاء واسعة من البلدة القديمة في يافا. وأصبح إطلاق النار جريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام، فيما أصدرت المحاكم العسكرية أحكامًا بإعدام الثوار شنقًا. 
وبحلول نهاية الثورة، كان نحو 5000 فلسطيني قد قُتلوا. ووفقًا لتقديرات المؤرخ رشيد الخالدي، فإن رجلًا عربيًا بالغًا واحدًا من كل عشرة كان قد قُتل أو أُصيب أو سُجن أو نُفي. وعندما حلّت النكبة عام 1948، كان المجتمع الفلسطيني قد جُرّد بالفعل من قياداته، إذ كان العديد من أفرادها يقبعون في معتقلات خارج البلاد. ووقفت القوات البريطانية موقف المتفرج إزاء عمليات التطهير العرقي، بل إن بعض أفرادها شاركوا في نهب ممتلكات الفلسطينيين.
إن كثيرًا من الممارسات التي تدينها بريطانيا اليوم في الضفة الغربية، بما فيها العقاب الجماعي وهدم المنازل، تعود جذورها إلى قوانين الطوارئ التي فرضتها خلال فترة انتدابها على فلسطين. ولا يزال العمل ببعض تلك التشريعات مستمرًا حتى اليوم.
وفي أيلول 2025، قدّمت حملة (Britain Owes Palestine) عريضة قانونية مكونة من 400 صفحة إلى وزراء بريطانيين، عرضت فيها هذا السجل التاريخي، استنادًا بصورة أساسية إلى وثائق الأرشيف البريطاني التي توثّق انتهاكات متعددة. ولا نزال بانتظار ردّ عليها.
وهناك سابقة قائمة يمكن الاستناد إليها في مسألة المساءلة. ففي عام 2013، أعلن وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ويليام هيغ، أمام مجلس العموم، أن الحكومة تأسف بصدق لما تعرّض له الكينيون من تعذيب خلال انتفاضة الماو ماو، كما جرى تعويض أكثر من خمسة آلاف ناجٍ. وقد أسهم هذا الاعتذار والإقرار بالمسؤولية في تعزيز سمعة بريطانيا على المستوى الدولي، ولم ينتقص منها.
وتمنح العريضة الحكومة نقطة انطلاق واضحة؛ إذ ينبغي لها دراسة الأدلة الواردة فيها دراسة وافية، والإفراج عن أي سجلات تاريخية لم تُنشر بعد، والاعتراف بالأفعال غير المشروعة التي ارتكبتها بريطانيا في فلسطين. كما ينبغي لرئيس الوزراء تقديم اعتذار رسمي وعلني أمام مجلس العموم، يعقبه إطلاق مسار لتحديد أشكال جبر الضرر والاستثمار المناسبة للشعب الفلسطيني ودولته.
وينبغي ألا يكون الثاني من نوفمبر، أو ما يعرف بـ "يوم بلفور"، مجرد مناسبة أخرى لمناقشة إرث ذلك الإعلان، بل يجب أن يشكّل اللحظة التي ترد فيها بريطانيا على المطالبين الفلسطينيين بمساءلتها عن ذلك الإرث. ومن شأن تقديم رد جاد وموضوعي على العريضة أن يُظهر أن الحكومة البريطانية مستعدة ليس لمناقشة تاريخها فحسب، بل لتحمّل المسؤولية عنه أيضًا.
لا يمكن للاعتذار أن يمحو التاريخ أو أن يحلّ أزمة اليوم. لكن بعد مرور 109 أعوام، لا تزال بريطانيا مطالبة بتحمّل مسؤوليتها عن الوعد الذي قطعته بحماية حقوق الفلسطينيين. وعلى الحكومة، اليوم، أن تقرّ بكيفية إخلالها بذلك الوعد، وأن تبدأ العمل على معالجة الأضرار التي تسببت بها.

أخبار مماثلة