22 جمادى الأولى 1448

الموافق

الثلاثاء 03-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "رأس النبع ومنهل الدمع"!
"رأس النبع ومنهل الدمع"!
القاضي م جمال الحلو
2026-11-03
"رأس النبع ومنهل الدمع"!

(المواطن ليس بقرة حلوباً، ورأس النبع ليست منطقة خارج حدود الرقابة)!

أقيم في منطقة رأس النبع منذ أكثر من ربع قرن، وإن كانت ولادتي قد حصلت في منطقة الصنائع، وتحديداً في شارع ماري عدة، تلك المنطقة التي تحيط بها رمل الظريف والملا وعائشة بكار، حيث عشت أجمل أيام عمري، واختزنت الذاكرة فيها أجمل الصور والحكايات.

وللمرة الأولى، أجد نفسي مدفوعاً إلى الحديث عن ظاهرة غريبة عجيبة، تستحق التوقف عندها وفتح ملفها على مصراعيه، واضعاً إياها برسم المسؤولين والمعنيين، وفي طليعتهم مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، وكل الجهات المولجة بمراقبة الأسعار وحماية المستهلك وصون الأمن الغذائي والاجتماعي للمواطن اللبناني.

إنها حكاية رأس النبع... أو بالأحرى حكاية الغلاء الذي حوّل هذه المنطقة الجميلة إلى منهل للدموع، بعدما كان اسمها يوحي بالينبوع والارتواء والحياة.

رأس النبع، وما أدراك ما رأس النبع! منطقة بيروتية عريقة، جميلة وهادئة، بأهلها الطيبين وعائلاتها الأصيلة وناسها المحبين، الذين تربطهم أواصر الجيرة والمودة والتكافل. منطقة لها تاريخها وخصوصيتها ومكانتها في قلب بيروت وأهلها.

لكن يبدو أن لهذه المنطقة ابتلاءً من نوع آخر، لا علاقة له بالأزمات الاقتصادية العامة وحدها، ولا بارتفاع الأسعار الذي تعاني منه البلاد بأسرها، بل بما يمكن وصفه بفوضى التسعير وغياب الرقابة، وترك المواطن فريسة لاجتهادات بعض التجار وأمزجة أصحاب المحال.

فما إن تدخل إلى دكان في رأس النبع لشراء علبة كبريت، حتى تجد نفسك أمام احتمال أن يكون للدكان المجاور سعر آخر للسلعة ذاتها، رغم أن المسافة بين المحلين قد لا تتجاوز بضعة أمتار!

ومن البابوج إلى الطربوش، مروراً بالسمانة والخضار والحلويات واللحوم، وسائر السلع الاستهلاكية، وصولاً إلى الألعاب والأدوات الصحية والكهربائية وأعمال الصيانة ومختلف الخدمات، تتكرر الحكاية ذاتها: أسعار متفاوتة، وفوارق يصعب أحياناً فهم مبرراتها، وكأن كل محل تجاري يعيش في دولة اقتصادية مستقلة، لها تسعيرتها الخاصة وقوانينها التي لا تشبه قوانين المحل المجاور!

من شارع محمد الحوت إلى الشارع الموازي، شارع عمر بن الخطاب، مروراً بشارع بشارة الخوري، يبدو الغلاء وكأنه ضيف ثقيل استوطن هذه الشوارع وفرض سطوته على سكانها، فيما الرقابة غائبة أو مغيّبة، ولا من يسأل أو يحاسب!

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للاستغراب أنك إذا انتقلت إلى البربور أو البربير أو برج أبي حيدر أو البسطة، ستكتشف أن الأسعار، على الرغم من ارتفاعها العام، أقل بكثير في عدد من السلع مما تجده في محال رأس النبع.

وهنا يحق لنا أن نطرح السؤال المشروع: ما الذي يجعل رأس النبع أغلى من مناطق بيروتية أخرى؟ وهل ثمة معادلة اقتصادية خاصة بهذه المنطقة؟ أم أن الأمر متروك لفوضى التسعير، حيث يضع كل تاجر السعر الذي يحلو له، مطمئناً إلى أن أحداً لن يسأله أو يراجعه؟

والأغرب من ذلك أن هذه الفوضى لا تقتصر على السلع التي تختلف كلفتها ومصادر شرائها، بل تتعداها إلى منتجات يُفترض أن تكون أسعارها محددة أو متقاربة إلى حد كبير.

تخيلوا أن سعر علبة الدخان قد يختلف من دكان إلى آخر، حتى في الشارع نفسه! وأن محلين لا تفصل بينهما سوى عشرة أمتار قد يبيعان السلعة ذاتها بسعرين مختلفين. والأمر عينه ينطبق على علبة العصير وغيرها من المنتجات اليومية.

أما الأفران، فحدّث ولا حرج! حتى أسعار المناقيش الجاهزة تختلف من فرن إلى آخر، بل إن سعر العجين نفسه قد يتفاوت إذا قرر المواطن شراءه وإعداد منقوشته بنفسه في المنزل!

وقِس على ذلك الكثير، مما يجعل المواطن في حيرة دائمة، ويحوّل أبسط عملية تسوق إلى رحلة بحث ومقارنة ومفاضلة، وكأنه مطالب بأن يجري دراسة اقتصادية قبل أن يشتري حاجاته اليومية!

فأي منطق هذا؟ وأي رقابة هذه؟ وأي عدالة استهلاكية نتحدث عنها؟

إننا لا نتحدث عن سلع كمالية أو منتجات فاخرة، ولا عن اختلافات تفرضها الجودة أو النوعية أو كلفة الإنتاج، بل عن حاجات يومية وأساسية، وعن لقمة عيش المواطن، وعن مستلزمات الحياة التي لم يعد اللبناني قادراً على الاستغناء عنها.

والمسألة لا تتعلق برأس النبع وحدها، بل بما تعكسه من خلل في منظومة الرقابة على الأسواق، ومن استسهال في تحميل المواطن أعباء إضافية فوق أعبائه التي لا تنتهي.

فإذا كان المواطن في طرابلس يستطيع شراء بعض السلع بأسعار أدنى، وإذا كانت صيدا ومناطق لبنانية أخرى تسجل أسعاراً أقل في عدد من المنتجات، فلماذا يتحول التسوق في قلب بيروت، وفي منطقة رأس النبع تحديداً، إلى رحلة مكلفة تستنزف جيوب الناس؟

ألسنا جميعاً في وطن واحد؟ ألسنا نخضع لقوانين اقتصادية واحدة؟ وأليست هناك وزارة للاقتصاد ومديرية لحماية المستهلك، من واجبهما مراقبة الأسواق والتأكد من الالتزام بالتسعيرات الرسمية حيث تكون محددة، ومكافحة الغش والتلاعب والاحتكار والممارسات المخالفة للقانون؟

إننا لا نطالب بالتدخل في حرية التجارة، ولا ننكر أن اختلاف الإيجارات وكلفة التشغيل ومصادر التوريد قد يؤدي إلى تفاوت مشروع في الأسعار. لكننا نرفض أن تتحول هذه الاختلافات إلى ذريعة للفوضى والاستغلال، ونرفض أن يصبح المستهلك الحلقة الأضعف التي يدفع الجميع فواتيرهم على حسابها.

فحرية التجارة لا تعني حرية الاستغلال، والمنافسة لا تعني أن يتحول المواطن إلى ضحية تفاوتات سعرية لا يجد لها تفسيراً، والربح المشروع لا يجوز أن يكون ستاراً للتلاعب بحقوق الناس.

ومن هنا، نضع هذا الملف برسم مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، ونطالبها بإرسال فرق ميدانية إلى شوارع رأس النبع، وإجراء مسح فعلي للأسعار، ومقارنة أسعار السلع المتطابقة بين المحال التجارية والأفران والمتاجر، والتحقق من الفواتير والتسعيرات المعلنة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من تثبت مخالفته.

كما ندعو إلى تكثيف الرقابة الميدانية، وعدم الاكتفاء بالجولات الموسمية أو الحملات الإعلامية، وإعلان نتائج عمليات التفتيش للرأي العام، حتى يشعر المواطن بأن هناك من يحمي حقه، وأن القانون ليس حبراً على ورق، وأن الرقابة ليست مجرد شعار يُرفع عند الضرورة ثم يغيب عند أول اختبار.

إن كرامة المواطن تبدأ من حقه في شراء حاجاته الأساسية بسعر عادل، ومن حقه في معرفة أسباب التفاوت في الأسعار، ومن حقه في أن يجد جهة رسمية تنصفه عندما يتعرض للغش أو الاستغلال أو المخالفة.

ولعلنا، في ختام هذا الكلام، نذكّر بأن رأس النبع لم تكن يوماً مجرد شوارع ومحال تجارية، بل كانت وستبقى منطقة بيروتية أصيلة، يسكنها أناس تعبوا من الأزمات، ومن انهيار القدرة الشرائية، ومن الغلاء الذي يلتهم مداخيلهم، ومن فوضى باتت تثقل تفاصيل حياتهم اليومية.

فيا أيها المعنيون، لا تجعلوا رأس النبع منهل دموع لأهلها!

راقبوا الأسعار، احموا المستهلك، أعيدوا الاعتبار للقانون، ولا تتركوا المواطن وحيداً في مواجهة الاستغلال. فليس مقبولاً أن تكون علبة الكبريت أغلى في رأس النبع منها في البربير، ولا أن تكون لقمة الفقير خاضعة لاجتهادات كل دكان، ولا أن يتحول اختلاف الأسعار إلى قاعدة، فيما الرقابة استثناء.

إن أهل رأس النبع لا يطلبون امتيازات، ولا يريدون معاملة خاصة، بل يطالبون بحقهم الطبيعي في سوق منضبط، وأسعار عادلة، ورقابة فاعلة، ومحاسبة حقيقية لكل من يتجاوز القانون.

فالمواطن ليس بقرة حلوباً، ورأس النبع ليست منطقة خارج حدود الرقابة!

رأس النبع تستحق الإنصاف، وأهلها يستحقون الحماية، وبيروت تستحق أسواقاً تحكمها القوانين لا الأهواء.

فهل من يسمع؟ وهل من يتحرك؟ أم أن علينا أن نكتفي بتغيير اسم المنطقة من رأس النبع إلى منهل الدمع؟

جنوبيات
أخبار مماثلة