26 جمادى الأولى 1448

الموافق

السبت 07-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة كرسي عين المريسة... جدلٌ يطال واجهة بحرية تختزن ذاكرة بيروت!
كرسي عين المريسة... جدلٌ يطال واجهة بحرية تختزن ذاكرة بيروت!
زياد سامي عيتاني
2026-11-07
كرسي عين المريسة... جدلٌ يطال واجهة بحرية تختزن ذاكرة بيروت!

 

بين بيروت وكورنيشها البحري علاقة سحرية، عمرها من عمر صخور البحر وأمواجه، وشمسها الذهبية، وبيوتها القرميدية، وأشجارها التي احتضنت حكايات أجيال متعاقبة. علاقة لا يعرف أسرارها إلا من تنشّق نسائمها، وتذوّق ملوحة رذاذ أمواجها، وجلس على صخورها يتأمل البحر، أو سار بمحاذاته بحثاً عن فسحة من الراحة بعيداً عن ضجيج المدينة وزحفها العمراني.

في عين المريسة، لم يكن البحر مجرّد واجهة زرقاء، بل جزءاً من هوية بيروت وذاكرتها، وملاذاً لأبنائها، وفضاءً مفتوحاً يجمع الناس على اختلاف طبقاتهم واهتماماتهم. ومن هذه العلاقة التاريخية والوجدانية، يكتسب الجدل الدائر اليوم حول الكرسي الأزرق الذي أُقيم على الواجهة البحرية معناه الأوسع؛ إذ يتجاوز السؤال عن قيمة مجسّم فني إلى سؤال أعمق عن مصير المكان الذي يحتضنه.

من «ريفييرا لبنان» إلى ذاكرة المدينة

في أوجّ ازدهار بيروت، ارتبط كورنيشها البحري بمشهد عمراني وسياحي وثقافي ميّز العاصمة عن سواها. فقد احتضن محيطه فنادق استقبلت زوار لبنان من الأجانب، وبيوتاً ذات هندسة تراثية لبنانية، والجامعة الأميركية في بيروت، إلى جانب عدد من السفارات الأجنبية التي استقرّت في المنطقة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

ومع هذا التحوّل، اكتسبت الواجهة البحرية لقب «ريفييرا لبنان»، تشبيهاً لها بريفييرا الساحل الفرنسي على المتوسط. ولم تكن التسمية مجرّد وصف لجمال المكان، بل تعبيراً عن مرحلة كانت فيها بيروت مركز جذب سياحي وثقافي، ومدينة تتلاقى فيها الحداثة مع الطابع المحلي، والبحر مع الحياة المدنية.

لكن قيمة عين المريسة لم تُصنع بالفنادق والمباني وحدها، بل بما راكمته من ذكريات يومية، وما احتفظت به من علاقة حميمة بين الإنسان والبحر، جعلتها جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة العاصمة القديمة والحديثة...

كان الكورنيش مقصد البيروتيين للتنزّه والمشي واستعادة الهدوء. يقصدونه منذ ساعات الفجر الأولى وحتى ما بعد منتصف الليل، طلباً للهواء النقي وأشعة الشمس نهاراً، ولنسائم البحر وضوء القمر ليلاً.

على امتداد مساحته المفتوحة، كان يلتقي أبناء مختلف الفئات الاجتماعية من دون حواجز أو تكليف. هنا، كانت المدينة تختصر نسيجها الاجتماعي في مشهد يومي تتجاور فيه الوجوه والحكايات، وتنسجم فيه الاختلافات ضمن مساحة مشتركة تجمع الجميع.

وللمشاة حكايتهم الخاصة مع الكورنيش؛ فأجيال تعاقبت على ممارسة رياضة المشي فيه، لكل منها موعدها المعتاد، وطقوسها التي لا تتبدّل بتبدّل الفصول. أما الأشجار التي حفرت على جذوعها أسماء وقصص، والصخور التي عانقت الأمواج، فشكّلت معاً ذاكرة حيّة يصعب اختزالها في صورة أو مجسّم.

وللصيادين أيضاً حصتهم من هذه الذاكرة. على الصخور المتناثرة، يتوزعون حاملين قصباتهم وسلالهم وكراسيهم الصغيرة، ولكل واحد منهم مكان اعتاد الجلوس فيه، كأن بينهم اتفاقاً غير مكتوب على احترام مساحة الآخر. لا يبحثون جميعاً عن سمكة، بقدر ما يبحثون عن متعة الانتظار، وهدوء البحر، وفرصة للابتعاد عن أعباء الحياة.

هؤلاء المشاة والصيادون ليسوا مجرد رواد عابرين؛ إنهم جزء من شخصية عين المريسة، ومن المعنى الذي يمنح الكورنيش قيمته الإنسانية والاجتماعية.

الكرسي الأزرق... أين يقف الفن من ذاكرة المكان؟

في ضوء هذه الذاكرة، جاء الجدل حول الكرسي الأزرق ليطرح أسئلة تتجاوز شكله الفني أو رمزيته. فالفن في الفضاء العام ليس أمراً مرفوضاً، وبيروت التي عُرفت بانفتاحها الثقافي والفني تحتاج إلى مبادرات تعيد الجمال إلى شوارعها وساحاتها. لكن الفن يكتسب قيمته الحقيقية عندما ينسجم مع روح المكان، ويحترم تاريخه، ويضيف إلى ذاكرة المدينة بدلاً من أن يحجبها.

من هنا، لا ينبغي أن يتحوّل النقاش إلى مواجهة بين مؤيد للكرسي ومعارض له، ولا إلى حكم مسبق على المشروع أو القائمين عليه. الأجدى هو طرح أسئلة واضحة عن كلفته ومصادر تمويله، والموافقات التي استند إليها، ومسؤولية صيانته، ومدى اندراجه ضمن رؤية متكاملة لحماية الواجهة البحرية وتطويرها. وهي أسئلة تستحق إجابات موثقة وشفافة.

فإذا كانت المبادرات الفنية الخاصة قادرة على الإسهام في تحسين المشهد الحضري، فإن ذلك لا يعفي الجهات المعنية من مسؤوليتها الأساسية في صون الفضاء العام وضمان بقائه متاحاً للناس، وحماية هويته البحرية والتراثية والاجتماعية.

المفارقة أن عين المريسة لا تحتاج إلى اختراع ذاكرة جديدة؛ فهي تمتلك ذاكرة غنية صنعتها أمواج البحر وخطوات المشاة وقصبات الصيادين ولقاءات البيروتيين. وما تحتاج إليه هو رؤية تحمي هذه الذاكرة من الإهمال، وتصون البحر من التعديات، وتعيد الاعتبار إلى المساحة العامة بوصفها حقاً مشتركاً، لا مجرد خلفية للاحتفالات والصور التذكارية.

إن الجدل حول الكرسي الأزرق يجب ألا يحجب القضية الأهم: أيّ بيروت نريد؟ بيروت التي تكتفي بإضافة رموز جمالية إلى واجهتها البحرية، أم بيروت التي تحمي هويتها وتاريخها وحق أهلها في مدينتهم؟

ليست المشكلة في كرسيٍّ أُقيم على الكورنيش، بل في غياب رؤية متكاملة تنهض بالعاصمة وتصون بحرها وتراثها وفضاءاتها العامة. فبيروت لا ينقصها كرسيٌّ جديد، بل مسؤولون ينهضون بها؛ والمشكلة ليست في الكرسي، بل في مدينةٍ تحتاج إلى من يحمي ذاكرتها، لا إلى من يكتفي بتزيين صورتها.

أخبار مماثلة