14 صفر 1448

الموافق

الخميس 30-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة "الثلاثة بعد الظهر": شارل شهوان يُرينا الوقت الممتع
"الثلاثة بعد الظهر": شارل شهوان يُرينا الوقت الممتع
2026-07-30
"الثلاثة بعد الظهر": شارل شهوان يُرينا الوقت الممتع

 

لم نرَ الشاعر شارل شهوان منذ فترة طويلة. هذا الأمر وارد في الأيام الحاضرة، ولا يتعلّق بشارل وحده، بل بأصدقاء آخرين، بعدما تغيّرت "معالم" المدينة، وشارع الحمرا الذي كان يجمعنا، واختلفت ظروف الجميع. وكأن المقهى، مكان اللقاء من دون مواعيد سابقة، حيث تتناثر الأحاديث والنقاش والنميمة، فقد وظيفته تلك، التي كانت تجتذبنا في فترات ماضية.


عاد إلينا شارل بمعرض أقامه في بيروت، لدى غاليري "BLUE ROSE"، تحت عنوان: "الثلاثة بعد الظهر". لقد أراد الفنان، من خلال أعمال المعرض، أن يُرينا كيف يبدو قضاء وقت ممتع، بعدما أمضى ردحاً من الزمن بين عامي 2021 و2022 على شواطئ نيقوسيا، متأملًا شروق الشمس وغروبها، والشواطئ وروادها. هذه المشاهدت ليست سوى المحفّز الخارجي الموضوعي، وهي التي تترك، عادة، انطباعات يختلف وقعها بين رسّام وآخر، وهو ما كنا شهدناه في غير موقع، وفي غير حقبة.

شارل شهوان

ولطالما ألهمت دورة الفصول العديد من الفنانين، كما كانت مصدر إلهام لجملة من الأساطير والحكايات. إن دراسة الفصول في الفن تعني فهم كيف ترجم الفنانون واقعهم إلى صور عبر التاريخ. مع حلول أشهر الصيف، نستمتع بدرجات الحرارة المعتدلة والأيام الطويلة، وننعم بروح المرح التي تميز هذا الفصل. وسواء كان الصيف رمزياً أم واقعياً، مثالياً أم مُجسداً، فقد تم تمثيله في الفن لآلاف السنين. في حالة شهوان تتراجع المدلولات الرمزية للفصل، من دون أن تختفي تماماً، فالرمز، متعدد الوجوه، يبقى حاضراَ بمستويات متفاوتة في العمل الفني الجدّي، شئنا ذلك أم أبينا. 

شارل شهوان

ينطلق شارل إلى شاطئ البحر عند الظهيرة، يبحث عن بقعة رملية ظليلة تخفف من حرارة الصيف اللاهبة. الإسترخاء لا يعني أن تنظر إلى السماء وغيومها القليلة فحسب، بل أن تتأمل ما يحيط بك من قامات بشرية، في أوضاعها الكسولة التي تعكس أجواء الإسترخاء المذكور. يتأمل الرسام العيون المختبئة خلف النظارات الشمسية، وقد يحظى بابتسامة من إحداهن، في حال كونه وحيداَ، وسيكون عليه البحث عن دلالاتها الغامضة غموض الخبث الأنثوي. سعي إلى المتعة، والراحة، والطبيعة الهادئة، وإلى قضاء وقت ممتع، وفرصة للقبلات البريئة بين الصخور. لقد كان شارل يبحث عن كل ما قد يُبعده عن صخب العالم المحيط به.

شارل شهوان

لا تكتمل رحلة شارل شهوان من دون جهاز تسجيل محمول موضوع على الرمال، كانت له حصته من ضمن اللوحات المعروضة، التي عكست، في طبيعة الحال، المشاهدات الشاطئية المذكورة أعلاه. رسم شارل صور السباحين والمتشمسين على صفحات دليل قبرص الهاتفي. خلفية مبتكرة، وسطح للمساحة التشكيلية حل محل الورق العادي، علماً أن هدا الورق لم يغب عن أعمال أخرى. حظيت الألوان المائية بدور رئيس في الأعمال كتقنية تتناسب مع هذ النوع من الرسم، الذي يذكرنا بدفاتر الرحلات التي كان المستشرقون، والرحَالة في شكل عام، لجأوا إليها في الأزمنة الماضية. تمت إضافة لمسات من الأكريليك في بعض الأحيان، واقتصر الأمر على هذه المادة في بعض اللوحات، الأقل عدداَ من سابقاتها، المنفّذة على القماش، وهي التي خرجت، إلى حد ما، عن الموضوع الرئيس.

شارل شهوان

لم يولِ شارل أهمية للرسم في مفهومه الأكاديمي. ثمة اختصار واضح في تحديد خطوط القامة الإنسانية، وذلك ضمن اسلوب جاء مزيجاً من الـ"بوب آرت" والفن الساذج. وللمناسبة، وبشكل عام، كان كل من البدائية وفن البوب قد حافظ على علاقة جدلية بين القطيعة والاستمرارية في مواجهة الثقافة السائدة، وذلك من خلال إعادة تدوير الصور، وإعادة تعريف الفن الشعبي. يرفض التياران الفن البرجوازي التقليدي من خلال إضفاء الشرعية على لغات بصرية تُعتبر أدنى من الجمال الكلاسيكي، أو خارجة عنه. "البدائي هو الآخر، وربما هذا ما كنا عليه قبل أن نصبح ما نحن عليه الآن. إنه عكس الحديث. وهو الذي لم يمر بجميع مراحل التطور التي مرت بها أوروبا الغربية"، بحسب الناقد والروائي الفرنسي فيليب داجن. 

شارل شهوان

قامات مُحترقة بالشمس، ونظرات شارل الخاطفة تقع على الأجساد المُشرقة. أرداف نحيلة تنتعش تحت خراطيم المياه.. ومع غروب الشمس، تتلاشى درجات اللون الأصفر، وتتحول ألوان البشرة إلى زرقة باردة تلامس اتساع الأفق القاتم، بينما تدور محادثة حميمة في الغابة في جو من السكينة اللحظوية. تنتشر حمى الحفلات المُصوّرة في لقطات متتابعة. يتمدد جيمس دين على حلبة الرقص بحثًا عن حبيبته لتلك الليلة... تتألق النجوم كالأضواء الكاشفة في السماء في مشهد خيالي ساحر. وفي جو ضبابي، تُشعل سيجارة بعد انتهاء الحفلة، وتعود سلسلة من اللقطات الضبابية الموحلة. يسترجع شارل ذكريات اليوم الذي مضى، في انتظار حلول اليوم الذي سيليه، وقد لا يشبه سابقه إلاّ في الظرف المكاني. سيحمل اليوم التالي، ربما، مشاهدات أخرى، وأحلاماً أخرى على شاطىء بعيد من هموم العالم المادي، وقريب من سماء لا غيوم فيها.  

أخبار مماثلة