منذ نشر تحقيق “النهار” في 10 آب 2026 حول انتقال المواد الكيميائية المنتهية الصلاحية من معملي الزوق والجية إلى زحلة ومرج بسري، توالت البيانات والتوضيحات الرسمية والميدانية من مؤسسة كهرباء لبنان ووزارتي البيئة والزراعة والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني وبلدية زحلة، فأضاءت جوانب جديدة من الملف، من دون أن تنهي التباين في بعض الوقائع والمسؤوليات. وبينما حسمت وزارة الزراعة موقفها الرافض لاستخدام مادة Trisodium Phosphate كسماد أو توزيعها في الأراضي الزراعية، طلبت وزارة البيئة استرجاع الكميات المتبقية إلى مستودعات مؤسسة كهرباء لبنان إلى حين اعتماد منهجية آمنة لمعالجتها.
أما المعطى الجديد الأبرز، فيتصل بالعقار الذي وضعت فيه المواد في مرج بسري. إذ تؤكد المعلومات أن العقار رقم 1557 هو، وفق الإفادة العقارية، من العقارات المستملكة لصالح الدولة اللبنانية ضمن مشروع سد بسري. فيما كانت المعطيات تشير الى ان المواد وضعت في أرض زراعية خاصة يملكها فاروق مراد، وأشارت معلومات أخرى الى أن المزرعة يشغلها حكمت غيث. ويطرح هذا المعطى سؤالا إضافيا حول الأساس القانوني لاستخدام عقار مستملك لمصلحة الدولة في هذه العملية، والجهة التي أجازت الدخول إليه ووضع المواد فيه.
من الترحيل إلى المعالجة المحلية
توضح مؤسسة كهرباء لبنان أنها تعاقدت عام 2021 مع شركة Combilift لترحيل المواد الكيميائية المنتهية الصلاحية والتخلص منها، إلا أن عدم موافقة وزارة البيئة آنذاك على ترحيلها إلى الخارج حال دون تنفيذ العملية. وفي عام 2024 تعاقدت المؤسسة مع شركة Tecmo للتخلص منها، مؤكدة أنها لم تسلمها أي مواد إلا بعد استحصالها على الموافقات والأذونات المطلوبة.
وبحسب المؤسسة، نقلت مواد Sodium Metasilicate وRodine وHydrogel وResin إلى مطمر زحلة، فيما نقلت مادة Trisodium Phosphate إلى مرج بسري. وتقول إنها أبلغت مسبقا وزارة البيئة ووزارة الداخلية والجهات المختصة بالإجراءات، وتتابع مع Tecmo ووزارتي البيئة والزراعة معالجة وضع المواد في الموقعين.
في المقابل، توضح وزارة البيئة أن الطلب الذي وصلها عام 2024 كان لمعالجة المواد محليا، وليس طلبا رسميا لتصديرها وفق اتفاقية بازل. وبحسب الوزارة، تعطي الاتفاقية الأولوية للمعالجة داخل الدولة عندما تتوافر القدرة والمرافق اللازمة، ولا يكون التصدير ضروريا إذا أمكن التخلص الآمن محليا.
وقد وافقت الوزارة على منهجية معالجة Rodine وHydrogel وSodium Metasilicate وResin، بعد تحجيرها وإجراء اختبارات للتسرب، وعلى اعتماد مطمر زحلة بعد موافقة البلدية. إلا أن البلدية عادت ورفضت إبقاء المواد، فأبلغت الوزارة شركة Tecmo بضرورة إيجاد حل بديل.
أما Trisodium Phosphate، فكانت المنهجية المقترحة تقوم على تذويبها وتحويلها إلى سماد واستخدامه في أرض زراعية خاصة، مع طلب رأي وزارة الزراعة.
زحلة: موافقة ثم طلب بالإزالة
تؤكد بلدية زحلة – معلقة وتعنايل أن المواد وصلت إلى المطمر في 19 أيلول 2025، بكمية تقارب 7.5 أطنان، وهي مصنفة، وفق وزارة البيئة والجهات الفنية، مواد غير خطرة. أما الأسبستوس فلم يصل إلى المطمر، ويرجح بقاؤه في معمل الزوق.
وتقول البلدية إنها وافقت بداية على استقبال المواد استنادا إلى موافقة وزارة البيئة وإشرافها وإشراف مؤسسة كهرباء لبنان ودراسة فنية للمعالجة، لكنها رفضت لاحقا السماح بمعالجتها أو طمرها بعدما رأت أن الإشراف لم يكن بالمستوى المطلوب. وفي تشرين الأول 2025، أي بعد نحو 15 يوما من وصولها، طلبت من وزارة البيئة ووزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان والشركة المعنية سحبها.
وتؤكد أن “المواد لا تزال في عبواتها الأصلية المحكمة الإغلاق ولم تفتح أو تعالج أو تطمر، مهددة باللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة إذا لم تسحب”.
ومن جهتها، شددت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، إثر كشف ميداني في 13 آب، على ضرورة نقل نحو 5 أطنان من Sodium Metasilicate و2,140 كيلوغراما من Hydrogel و560 كيلوغراما من Resin إلى موقع معتمد، محذرة من تحميل حوض الليطاني أعباء بيئية مصدرها مناطق أخرى.
بسري: معالجة 300 برميل وتوقف 200
في مرج بسري، تشير معلومات الشركة المتعهدة إلى أن نحو 300 برميل من Trisodium Phosphate أذيبت وحولت إلى سماد ووزعت في الأرض، ثم أخذت عينات من التربة وأرسلت نتائج فحوصها إلى وزارة الزراعة. ولا يزال نحو 200 برميل في الموقع، وقد أوقف استخدامها بانتظار موقف الوزارة.
وتستند الشركة إلى دراسات أعدها خبراء ألمان بكلفة 12,600 دولار، خلصت إلى إمكان استخدام المادة كسماد بعد إضافة الكلس والمياه وضبط درجة الحموضة، كما عاينها الدكتور روجيه طيف وأعد تقريرا لوزارة البيئة.
لكن البيان المشترك الأخير لوزارتي البيئة والزراعة حسم الموقف: مادة Trisodium Phosphate غير قابلة للانفجار وغير مشعة، لكنها تحتوي على نحو 40% من الصوديوم، في حين يجب ألا تتجاوز نسبته في أي مادة تستخدم كسماد 3%. كما أن معظم الأراضي الزراعية اللبنانية كلسية وقلوية، فيما لا تتوافق المنهجية المقترحة مع آلية تسجيل الأسمدة والترخيص باستخدامها. لذلك، لا توافق وزارة الزراعة على استخدامها كسماد أو توزيعها في الأراضي الزراعية، حفاظا على التربة والمياه والإنتاج الزراعي.
وبناء عليه، طلبت وزارة البيئة من مؤسسة كهرباء لبنان، بصفتها مالكة المواد والمسؤولة قانونا وتقنيا عنها، استرجاع الكميات المتبقية فورا إلى مستودعاتها وتخزينها بصورة سليمة، ومنع أي تسرب أو استخدام إضافي لها إلى حين تقديم منهجية بديلة وآمنة تخضع لموافقة الجهات المختصة. وإذا تعذرت المعالجة الآمنة داخل لبنان، يتوجب ترحيلها إلى دولة قادرة على التخلص منها وفق اتفاقية بازل.
العقار رقم 1557: السؤال الجديد
تكشف الإفادة العقارية أن العقار رقم 1557، حيث وضعت المواد في مرج بسري، هو من العقارات المستملكة لصالح الدولة اللبنانية ضمن مشروع سد بسري، وتظهر صفته “أملاك الدولة العمومية – وزارة الطاقة والمياه”.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية قانونية، لأنها تطرح سؤالا حول الجهة التي أجازت استخدام العقار ووضع المواد فيه، والقرار أو المستند الذي استند إليه هذا الاستخدام. وتاليا، فإن تحديد ملكية العقار لم يعد نقطة خلافية يمكن حسمها بالتقديرات، بل بات مستندا إلى إفادة عقارية، فيما يبقى تحديد كيفية التصرف فيه والجهة التي سمحت باستخدامه بحاجة إلى وثائق رسمية.
كما تبرز أسئلة أخرى حول الكمية التي وصلت فعليا إلى بسري ومصير باقي الكميات، والمساحة التي وزعت عليها المادة، ونتائج فحوص التربة والمياه، وما إذا كان رأي وزارة الزراعة قد أخذ قبل توزيع المادة أم بعده.
الأسبستوس: لا معالجة محلية
يبقى الأسبستوس خارج مسار المعالجة المحلية، إذ تؤكد وزارة البيئة أن لبنان لا يملك البنية التحتية والتقنيات اللازمة لمعالجته، وتاليا يجب ترحيله إلى دولة تتوافر فيها المنشآت المؤهلة، وفق اتفاقية بازل. وحتى الآن، لم يقدم طلب رسمي إلى الوزارة لترحيله.
وتشدد الوزارة على أن موافقتها على أي منهجية لا تعفي مؤسسة كهرباء لبنان من مسؤولياتها القانونية والتقنية، استنادا إلى مبدأ “الملوث يدفع”، مؤكدة أن أي مخالفة أو تقصير أو ضرر يثبت في إدارة المواد يرتب المسؤوليات القانونية، فيما أحيل الملف إلى النيابة العامة بعد متابعته مع وزارة العدل.
وهكذا، أظهرت البيانات التي صدرت بعد تحقيق “النهار” مسارات أكثر وضوحا للمواد، لكنها فتحت في الوقت نفسه أسئلة جديدة. فزحلة تطالب بإزالة المواد، وبسري شهدت معالجة جزء من Trisodium Phosphate قبل وقف استخدامها، والأسبستوس يحتاج إلى الترحيل خارج لبنان، فيما حسمت وزارة الزراعة رفض استخدام المادة كسماد.
وفي انتظار استكمال المستندات والفحوص وتحديد المسؤوليات، يبقى حسم هذه النقاط ضروريا للانتقال من تضارب البيانات إلى حقيقة موثقة حول مسار المواد والقرارات التي اتخذت بشأنها.