واجه لبنان خلال الفترة 2024-2026 واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي والتهجير التي عرفها في تاريخه الحديث، في وقت كان يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية متراكمة منذ عام 2019. فقد جاءت الحرب فوق انهيار اقتصادي ومالي واسع، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وتسارع هجرة الشباب والكفاءات، لتضيف إلى هذه الأزمات حركة سكانية واسعة أعادت، خلال فترة زمنية قصيرة، توزيع مئات آلاف السكان داخل المجال اللبناني.
• جغرافية النزوح تتوسّع... أكبر أزمة تهجير عرفها لبنان
لقد بدأت الأزمة بنزوح تدريجي من القرى الحدودية في الجنوب خلال عام 2024، لكنها شهدت منذ مطلع آذار 2026 تحوّلاً نوعياً مع اتساع العمليات العسكرية إلى مناطق واسعة من الجنوب والنبطية والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وفي 13 نيسان 2026 بلغ النزوح ذروته عندما سجلت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية اللهجرة 1.208.869 نازحاً داخلياً، في مؤشر لا يعكس ضخامة الحركة السكانية وحدها، بل سرعة انتقال الأزمة من نزوح حدودي إلى تهجير جماعي واسع النطاق.
وأدّت هذه الحركة إلى إعادة رسم مؤقت لجغرافية توزيع السكان داخل لبنان. فقد تجاوزت 93% من حركات النزوح حدود المحافظة الواحدة، واتجه 70% من حركات النزوح المنطلقة من محافظة الجنوب إلى خارجها. وتمركزت مناطق المغادرة بصورة أساسية في الجنوب والنبطية والضاحية الجنوبية، بينما برزت بيروت وجبل لبنان وصيدا بوصفها أهم محاور الاستقبال. وفي 12 آب كان 94% من النازحين الذين ظلوا خارج مناطقهم ينحدرون من خمسة أقضية فقط، مقابل تمركز 77% من النازحين المتبقين في خمسة أقضية للاستقبال. وهكذا لم تعد الحرب محصورة في مجالها العسكري المباشر، بل امتدت آثارها عبر حركة السكان إلى معظم أنحاء البلاد.
• تدمير القرى.. تهديد للذاكرة والهوية والنمو السكاني
لم يكن النزوح مجرد انتقال للسكان من مكان إلى آخر، إذ اقترن بدمار واسع للمساكن والبنية التحتية ومصادر الرزق. وتشير البيانات الأخيرة للبنك الدولي، إلى تضرر أو تدمير 90.747 وحدة سكنية جزئياً أو كلياً بين 2 آذار و12 حزيران 2026، تركّز نحو 70% منها في محافظتي الجنوب والنبطية. وجاء هذا الدمار فوق أضرار حرب 2024، والتي قدّر البنك الدولي أضرار أصولها المادية بنحو 6.8 مليارات دولار، منها 4.6 مليارات في قطاع الإسكان وحده. وبذلك تحوّل فقدان المنزل، بالنسبة إلى أعداد كبيرة من السكان، من نتيجة مباشرة للحرب إلى عامل يطيل مدة التهجير ويؤخر العودة والاستقرار.
ومع ضخامة النزوح، تحوّلت المدارس والجامعات والمنشآت العامة إلى شبكة واسعة للإيواء الطارئ. ففي 20 نيسان 2026 بقي 117.421 نازحاً في 631 موقعاً جماعياً. إلّا أن مراكز الإيواء لم تستوعب إلّا جانباً من الأزمة، إذ توزعت أعداد كبيرة من النازحين بين الأقارب والمجتمعات المضيفة والمساكن المستأجرة والترتيبات السكنية المؤقتة. ومع مرور الوقت انتقل مركز ثقل الأزمة تدريجياً من الإيواء الجماعي إلى داخل المجتمع، فتحمّلت الأسر النازحة والمضيفة جزءاً متزايداً من كلفة السكن والمعيشة والاستضافة.
وتكشف التقييمات الأحدث حجم هذا الاستنزاف على مستوى الأسرة نفسها. فقد أظهر التقييم السريع لاحتياجات النازحين خارج مراكز الإيواء (ERNA)، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تعدد آليات التكيّف التي تلجأ إليها الأسر لتمويل احتياجاتها اليومية؛ إذ ورد الاعتماد على المدخرات في 75% من الإجابات، والاقتراض في 31%، وتقليص الإنفاق الأساسي في 23%، مع إمكان اعتماد الأسرة الواحدة أكثر من آلية في الوقت نفسه. وفي مجال السكن، ورد استئجار الشقق في 91% من الإجابات، فيما أشار 54% إلى أعباء إيجارات شهرية غير ميسّرة. كما ظهر غياب العمل اليومي أو المأجور عائقاً في 86% من الإجابات، بما يكشف انتقال الأزمة من الإيواء الطارئ إلى استنزاف متزايد لقدرة الأسر على تمويل استمرار النزوح.
وترافقت أزمة السكن مع استنزاف اقتصادي واجتماعي ونفسي واسع، فقد قدّر البنك الدولي صدمة الاستهلاك المرتبطة بالحرب والنزوح بنحو 569.6 مليون دولار خلال 2026، فيما بلغ مجموع خسائر الاستهلاك والسياحة نحو 3.571 مليارات دولار. وفي الوقت نفسه تعطّلت قطاعات واسعة من الأسواق والخدمات، وكان نحو 80% من متاجر محافظة النبطية وقرابة ثلثي متاجر محافظة الجنوب غير عاملة.
كما تعرّض قطاعا التعليم والصحة لضغوط كبيرة. فقد تعطّل تعليم أكثر من 250 ألف تلميذ خلال الحرب والنزوح، وهو رقم تؤكده أيضاً مصادر دولية معنية بالتعليم في حالات الطوارئ. وأظهر تقييم وزارة التربية والتعليم العالي بدعم تقني من اليونيسف تضرر أو تدمير 340 مدرسة، بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل، مع التحذير من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل قد يواجهون خطر عدم توافر صفوف مع بداية العام الدراسي إذا لم تُنجز أعمال الإصلاح المطلوبة.
وفي القطاع الصحي، سُجل في نيسان إغلاق 51 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، بينما 47.945 شخصاً حتى 20 نيسان على خدمات إدارة الحالات والدعم النفسي والاجتماعي.
ومع انخفاض مستوى العمليات العسكرية خلال الصيف، بدأت حركة واسعة في الاتجاه المعاكس. وحتى 12 آب 2026 كان 863.172 شخصاً قد بدأوا العودة إلى مجتمعاتهم، فيما بقي 351.558 نازحاً داخلياً. لكن بنية النزوح المتبقي تكشف تحوّلاً مهماً: فقد كان 329.208 نازحين، أي نحو 94%، يقيمون خارج المواقع الجماعية، مقابل 22.350 نازحاً في 229 موقعاً جماعياً فقط. وبين 20 نيسان و12 آب انخفض عدد المقيمين في الإيواء الجماعي بنحو 81%، وعدد المواقع بنحو 64%، من دون أن يعني ذلك انتهاء أزمة النزوح؛ بل انتقال قسم كبير منها إلى المساكن المؤقتة والأسر والمجتمعات المحلية.
• العودة الى مناطق مدمرة... استقرار هش في غياب مقومات الحياة
لقد واجه العائدون في مناطق عديدة مساكن مدمرة، وبنية تحتية متضررة، وخدمات معطّلة، ومصادر رزق متراجعة، إلى جانب المخاطر الأمنية والذخائر غير المنفجرة. وفي 20 نيسان كانت هناك قيود على العودة إلى 74بلدة وموقعاً في جنوب لبنان، ولذلك يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات: العودة المكانية إلى منطقة الأصل، والعودة السكنية إلى منزل صالح للإقامة، والعودة المستدامة التي تستعيد معها الأسرة الأمن والخدمات والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية الضرورية للاستمرار في المكان.
وتأخذ هذه الإشكالية بُعداً أكثر حساسية في جنوب لبنان. فوفق التقديرات الجغرافية، تمتد المناطق المتأثرة بقيود العودة والترتيبات والمناطق الأمنية على أكثر من 800 كم²، ولا سيّما جنوب نهر الليطاني وفي نطاق الحاصباني – الوزاني، وتشمل نحو 75 قرية وبلدة، بما يعادل نحو 40% من مساحة جنوب لبنان المقدرة بنحو 2000 كم². وتكمن خطورة ذلك في أن استمرار غياب السكان عن هذا المجال لا يهدد الوظيفة السكنية وحدها، بل يطال الزراعة والأسواق والخدمات وشبكات العلاقات الاجتماعية و الاقتصاد المحلي وقدرة القرى على الاحتفاظ بسكانها.
كما أن العودة تجري في ظل استمرار بيئة أمنية شديدة الهشاشة. فقد بلغت الحصيلة التراكمية المعلنة من وزارة الصحة العامة اللبنانية حتى 21 آب 2026، منذ 8 تشرين الأول 2023، نحو 8.915 قتيلاً و30.543 جريحاً. واستمرار الاعتداءات والتدمير والاغتيالات لا يضيف خسائر بشرية جديدة فحسب، بل يضعف الثقة بإمكان الاستقرار، ويرفع مخاطر النزوح المتكرر، ويؤخر الانتقال من إدارة الطوارئ إلى التعافي وإعادة الإعمار.
• مقومات خطة الإنقاذ.. من إعادة الإعمار إلى تثبيت السكاناستثمار في لبنان
تبدأ خطة الإنقاذ بالانتقال من إدارة النزوح والاستجابة الطارئة إلى إعادة البناء السكاني والمجتمعي. فإعادة بناء المساكن شرط أساسي، لكنها لا تكفي لتثبيت السكان ما لم تترافق مع استعادة شبكات المياه والكهرباء والطرق والمدارس والمراكز الصحية والأسواق، وإعادة تنشيط الزراعة والتجارة وفرص العمل. ويصبح التعافي بذلك سلسلة مترابطة تبدأ بإعادة الإعمار المادي، ثم استعادة الخدمات وتنشيط الاقتصاد المحلي، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع وتثبيت السكان.
إلّا أن طول مدة النزوح، وتأخّر الإعمار، واستمرار القيود الأمنية، وارتباط بعض الأسر بالسكن والعمل والتعليم في مناطق الاستقبال، ترفع مخاطر تحوّل بعض الانتقالات المؤقتة إلى أنماط استقرار أطول أمداً، ولا سيما في القرى الحدودية محدودة الحجم السكاني.
وهكذا تكشف أزمة النزوح 2024–2026 أن لبنان لا يواجه مجرد مشكلة في عدد النازحين والعائدين، بل تحدّياً أوسع يتعلق بقدرة المناطق المتضررة على استعادة سكانها ووظائفها ومقومات استمرارها.
ومن ثم، يقوم الاستقرار المقبل على أربعة مرتكزات مترابطة: الأمن وإمكان الوصول، وإعادة السكن والبنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتنشيط الاقتصاد المحلي وفرص العمل. فالنجاح في مرحلة ما بعد النزوح لن يقاس بعدد الذين يعودون إلى المكان وحده، وإنما بقدرة المكان نفسه على الاحتفاظ بهم وإعادة إنتاج شروط الحياة والاستقرار.
وبذلك يمكن اختصار القضية المركزية في عبارة واحدة: إن التحدّي بعد النزوح ليس إعادة السكان إلى المكان فحسب، بل منع المكان من فقدان سكانه ووظائفه ومقومات استمراره.
* عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية