22 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 05-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم القدس التي تسكنني… وطولكرم التي لا تغادرني
القدس التي تسكنني… وطولكرم التي لا تغادرني
د. مؤيد بدران
2026-09-05
القدس التي تسكنني… وطولكرم التي لا تغادرني

يقولون إن الغربة أن تعيش بعيدًا عن وطنك، لكنني اكتشفت مع السنوات أن الغربة الحقيقية ليست في المسافات، ولا في المطارات، ولا في عدد الساعات التي تفصلنا عن البلاد.

الغربة أن تستيقظ ذات صباح فتشتاق إلى شارع لم تكن تعرف يومًا أنك تحفظ تفاصيله، وأن تمرّ بك رائحة خبز فتعيدك فجأة إلى طفولتك، وأن تسمع اسم طولكرم فيتحرك شيء في داخلك، فتدرك أن العمر مهما أخذنا بعيدًا، لا يستطيع أن يأخذ منا المكان الأول.

أنا ابن طولكرم. وإن أبعدتني عنها الحياة قسرًا، وحملتني ظروفها إلى بلاد ومدن كثيرة، بقيت تلك المدينة، الصغيرة في الجغرافيا والكبيرة في قلبي، عنوانًا لا يتغير.

منها بدأت الحكاية.

هناك عرفت معنى البيت والأهل والجيران، ورائحة الأرض بعد المطر. كانت التفاصيل بسيطة، لكنني اليوم أدرك أنها كانت أثمن مما كنا نظن؛ فالإنسان حين يعيش في وطنه قد لا ينتبه إلى قيمة الأشياء الصغيرة، لكنه حين يغترب، تصبح تلك الأشياء وطنًا كاملًا.

وكلما اشتقت إلى طولكرم، وجدتني أشتاق معها إلى القدس. لا أعرف كيف تلتقي المدينتان في داخلي بهذه القوة؛ ربما لأن طولكرم هي مسقط القلب، والقدس هي قبلته.

فالقدس بالنسبة لي ليست مدينة نزورها ثم نعود منها، بل شعور يسكننا.

هي ذلك الاسم الذي ما إن يُذكر حتى يتغير إيقاع القلب. هي حجارة البلدة القديمة وأزقتها وأبوابها العتيقة، وقبة الصخرة وهي تلمع في سماء المدينة، وصوت الأذان من المسجد الأقصى يمتزج بأجراس الكنائس، في مشهد يختصر تاريخًا وهوية وانتماء.

وعلاقتنا نحن الفلسطينيين بالقدس لا تحتاج إلى كتب التاريخ كي نفسرها. نحن نحبها كما يحب الإنسان أمه؛ لا يسأل لماذا. نشعر أن شيئًا منا بقي هناك، حتى عندما تفصلنا عنها آلاف الكيلومترات.

وقد علمتني الغربة مفارقة لم أكن أدركها من قبل:

كلما ابتعدت عن فلسطين، اقتربت منها أكثر.

حين كنت قريبًا منها، كانت وطنًا أعيش فيه، وحين ابتعدت عنها، أصبحت وطنًا يعيش فيّ.

كبرنا وسافرنا وعملنا وبنينا حياتنا في بلاد مختلفة. عبرنا مطارات كثيرة، وأقمنا في مدن جميلة، والتقينا شعوبًا وثقافات مختلفة. وقد ينجح الإنسان في أن يصنع لنفسه بيتًا في الغربة، وأن يحب مدينة أخرى ويحترم بلدًا آخر ويخلص للمكان الذي احتضنه، لكن ثمة فرقًا بين المكان الذي نعيش فيه، والمكان الذي يعيش فينا.

كم تمنيت أحيانًا لو استطعت أن أشرح لأبنائنا الذين كبر بعضهم بعيدًا عن فلسطين معنى أن تكون فلسطينيًا مغتربًا؛ أن تحمل وطنًا كاملًا في حقيبة لا يراها أحد.

قد تكون جالسًا في دبي أو الرياض أو إسطنبول أو أي مكان في هذا العالم، ثم يذكر أحدهم القدس، فتغيب للحظة عن المكان. ترى باب العمود، والأسواق، وقبة الصخرة، ووجوه الناس. ثم تمتد الذاكرة شمالًا نحو طولكرم؛ إلى السهل والبيوت والحارات التي ما زالت تحتفظ بأصوات من رحلوا، وخطوات من كبروا، وضحكات طفولة مضت.

عندها تفهم أن الإنسان قد يغادر وطنه، لكن الوطن لا يغادر الإنسان.

وأنا لم أختر أن أكون بعيدًا عن وطني كل هذه السنوات. أخذتني الحياة قسرًا إلى الغربة، كما أخذت كثيرين من أبناء فلسطين. بنينا حياتنا حيث استطعنا، ونجحنا حيث أتيحت لنا الفرصة، وحاولنا أن نكون أوفياء لكل بلد فتح لنا بابه واحتضننا.

لكن النجاح في الغربة لا يلغي الحنين، والسنوات لا تمنح القلب جنسية جديدة.

ومع مرور العمر، أصبح يشغلني سؤال آخر: ماذا سنترك لأبنائنا من هذا الانتماء؟

لا أريد لفلسطين أن تصبح بالنسبة إلى الأجيال القادمة مجرد قصة يرويها الآباء، أو صورة قديمة معلقة على جدار، أو اسمًا مكتوبًا في خانة الأصل.

أريدهم أن يعرفوا أن لهم هناك جذورًا. أن يعرفوا طولكرم، حتى لو لم يحفظوا كل شوارعها، وأن يحبوا القدس، حتى لو حالت الظروف بينهم وبين الوصول إليها. أن يعرفوا أن المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة وأسواق القدس وحاراتها ليست مجرد معالم تاريخية، بل أجزاء من ذاكرة وهوية لا ينبغي أن تنقطع بين جيل وآخر.

ربما كُتب على جيلنا أن يعيش كثيرًا من عمره بعيدًا، لكن ليس مكتوبًا علينا أن ننسى، ولا أن نورث أبناءنا النسيان.

سنحكي لهم عن فلسطين؛ عن مدنها وقراها، عن زيتونها وبرتقالها، عن طولكرم وأهلها، وعن القدس التي كلما حاولت المسافات أن تجعلها بعيدة، اكتشفنا أنها أقرب إلينا.

وسيأتي يوم، مهما طال الطريق، نقف فيه أمام القدس دون أن تفصل بيننا وبينها خرائط الغربة.

وحينها ربما لن نحتاج إلى كثير من الكلام.

سننظر إليها فقط، ونقول:

تأخرنا يا قدس…
لكننا لم ننسَ الطريق.

أما أنا، فسيبقى في داخلي طريق لا تستطيع الغربة أن تغلقه؛ يبدأ من طفولتي في طولكرم، ويمر بكل المدن التي حملتني إليها الحياة، وينتهي دائمًا عند القدس.

فبعض المدن نسكنها…

وبعض المدن تسكننا إلى الأبد.

جنوبيات
أخبار مماثلة