يُحكى في صفحات الزمان وكنه المكان أنّ هناك إمارة تُدعى شفطستان، وكان يحكمها شيخٌ من قبيلة الطّرَمان يُدعى:
«غادر بن حيتان».
وذات يوم، أراد الشيخ غادر دِهانَ قصره بأجمل الألوان، فاستدعى لهذه الغاية ثلاثةً من كبار المقاولين المشهورين في ذلك الوقت.
الأوّل من بلدٍ مجاور، وهي «دولة القناعة».
والثاني من الإمارة نفسها.
والثالث من جمهورية كونكان الديمقراطية.
وكي لا نطيل الكلام، استُدعي الأوّل وسُئل: كم تريد لإتمام عملية دِهان القصر؟
فقال:
٣٠ ألف دينار، موزَّعة على الشكل الآتي:
١٠ آلاف ثمن البضاعة.
و١٠ آلاف أجرة اليد العاملة.
و١٠ آلاف الربح الصافي.
أمّا المقاول الثاني، وهو مواطن من شفطستان، فطلب ٧٠ ألف دينار، مقسَّمة على النحو الآتي:
٣٠ ألف دينار ثمن المواد المطلوبة.
و٢٠ ألف دينار للعمّال الذين يقومون بالدِّهان.
و٢٠ ألف دينار المكسب الخاص بي.
وجاء دور الكونكانيّ، فطلب مبلغًا وقدره ١٠٠ ألف دينار.
فتعجّب الشيخ غادر وقال له:
على أيّ أساس تطلب هذا المبلغ؟!
ابتسم الكونكانيّ وقال:
سيّدي الأمير، إنّ هذا المبلغ سيُقسَّم وفق الترتيب الممنهج، وهو:
٤٠ ألف دينار لسموّكم.
و٣٠ ألف دينار لخادمكم الكونكانيّ المطيع.
و٣٠ ألف دينار نعطيها للمقاول من دولة القناعة للقيام بدِهان قصركم الفخم بأجمل الألوان.
هنا، بكى أمير شفطستان متأثّرًا، واغرورقت عيناه بالدموع، وقال بالفم الملآن وبلكنة جمهورية كونكان:
«أنا من زمان بحبّ الشغل الكونكانيّ»؛ فهم يعرفون شفط النفط من رمال الصحاري، واستخراج الغاز من أعماق البحار!
وهكذا، لم يعد السؤال في شفطستان: من ينفّذ العمل؟ وكم يكلّف؟ بل أصبح السؤال الأهم: كم نصيب كلّ واحد من الصفقة؟
فحين تتحوّل المنافع العامّة إلى غنائم خاصّة، يصبح المقاول النزيه خاسرًا، والمال العامّ مطمعًا، والمصلحة العامّة آخر ما يُفكَّر فيه. وعندها لا يعود الدِّهان لتجميل القصر، بل لتغطية ما تحته من تشقّقات؛ لأنّ أجمل الألوان لا تستطيع أن تخفي إلى الأبد ما أفسدته الصفقات.