في ظل هول حرب الإبادة الشاملة التي تعرض لها وما يزال يتعرض لها قطاع غزة، تتعالى الأصوات وتتكرر المطالبات والدعوات لإعلان القطاع منطقة منكوبة. وبعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على بدء حرب الإبادة، لم يعد هذا مجرد مطلب إنساني أو توصيف لحجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب الإبادة على شعبنا ، بل أصبح ضرورة وطنية وسياسية تفرضها طبيعة الكارثة واتساع آثارها، وما تستدعيه من تحديد واضح للمسؤوليات الوطنية والدولية، والانتقال من الاكتفاء بوصف المأساة والتضامن مع ضحاياها إلى اتخاذ خطوات عملية لمواجهتها ومعالجة نتائجها.
ومن هذا المنطلق، تضمنت الورقة التي قدمها حزب الشعب الفلسطيني إلى اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بتاريخ 10-10-2026، والمخصص لبحث ملف الانتخابات المحلية وتقرير تأجيلها، ستة مطالب، كان من بينها ضرورة إعلان قطاع غزة منطقة منكوبة. وجاء ذلك انطلاقاً من أن ما تعرض له القطاع لم يعد يحتمل المعالجة بالأدوات والسياسات الاعتيادية، وأن حجم الكارثة يتطلب موقفاً وطنياً رسمياً يؤسس لاستجابة شاملة تتناسب مع طبيعتها وأبعادها.
إن أهمية هذه الخطوة تكمن في أنها تضع القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي، كلٌّ في نطاق مسؤولياته، أمام استحقاقات واضحة. فالقيادة، عندما تعلن غزة منطقة منكوبة، لا تعلن عجزها عن مواجهة الكارثة، ولا تنقل مسؤولياتها إلى الآخرين، بل تؤكد التزامها بتحمل مسؤوليتها الوطنية تجاه شعبها، ووضع خطة شاملة للتعامل مع آثار الكارثة وحماية المواطنين واستعادة مقومات الحياة. وفي المقابل، يصبح المجتمع الدولي مطالباً بتحمل مسؤولياته السياسية والقانونية والإنسانية تجاه كارثة تسبب بها الاحتلال، لا أن يكتفي بمراقبة نتائجها أو التعامل معها باعتبارها أزمة إغاثية عابرة. وباختصار، القيادة مطالبة بأن تعمل ما عليها، والمجتمع الدولي مطالب بأن يعمل ما عليه، فيما يتحمل الاحتلال مسؤولية ما ارتكبه وما خلّفه من دمار وخسائر.
ويقتضي ذلك أن يكون الإعلان مدخلاً لإطلاق خطة وطنية عاجلة وشاملة، تتعامل مع احتياجات المواطنين وأوضاعهم المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، ولا تقتصر على توفير المساعدات الإنسانية الطارئة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تشكيل هيئة وطنية عليا للإغاثة والتعافي، بمرسوم رئاسي، تتولى تنسيق الجهود الرسمية والأهلية والدولية، وتوحيد مرجعيات العمل الإغاثي، ومتابعة تنفيذ الخطط والبرامج، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق معايير عادلة وشفافة، بما يمنع الازدواجية والتشتت، ويخضع العمل للرقابة والمساءلة.
وتبدأ هذه المسؤولية من معالجة الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين، وفي مقدمتها أوضاع الذين اقترضوا من المصارف لبناء منازلهم، ثم وجدوا أنفسهم، بعد تدميرها، مطالبين بسداد قروضهم والتزاماتهم المالية، رغم فقدانهم المأوى الذي اقترضوا من أجله. وهذا يستدعي التحرك مع الحكومة وسلطة النقد والمصارف لتعليق اقتطاع الأقساط، وإلغائها أو إعفاء الفئات الأشد تضرراً منها، ووقف الفوائد والغرامات التأخيرية، وإعادة جدولة القروض، بما يراعي أوضاع الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم.
كما يتطلب الوضع معالجة جادة لملف الرسوم والأقساط الجامعية، من خلال تخفيضها إلى أدنى الحدود، وإعفاء الطلبة الذين لا تسمح ظروفهم بالدفع، وتعليق المطالبة بالمتأخرات في ظل تعذر انتظام العملية التعليمية، إلى جانب إنشاء صندوق وطني لدعم طلبة غزة وتوفير المنح اللازمة لهم، حتى لا تتحول الحرب وتداعياتها إلى سبب إضافي لحرمانهم من حقهم في التعليم.
وفي ملف الرواتب، تبرز ضرورة وقف الاستقطاعات التي طالت شرائح واسعة من الموظفين، وإعادة النظر في السياسات المالية بما يتناسب مع الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع. كما ينبغي معالجة أوضاع الموظفين الذين استشهدوا خلال حرب الإبادة وتوقفت رواتبهم أو قُطعت مستحقاتهم، الأمر الذي ترك أسرهم بلا معيل، بما يستوجب ضمان حقوق هذه الأسر وعدم تحميلها تبعات إضافية لفقدان معيليها.
أما العمال والعاطلون عن العمل، الذين فقدوا مصادر رزقهم بفعل تدمير المنشآت الاقتصادية وتعطل القطاعات الإنتاجية والخدمية، فهم بحاجة إلى برنامج طوارئ للحماية الاجتماعية، يوفر مخصصات شهرية مؤقتة، ويفتح برامج تشغيل عاجلة، بما في ذلك إشراكهم في إزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة والخدمات الأساسية، إلى جانب دعم الحرف والمشروعات الصغيرة، وتمكين المرأة، وإعادة تشغيل ما يمكن تشغيله من الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.
ولا يقل ملف النازحين والمشردين أهمية؛ فالمطلوب لا يقتصر على توفير الخيام والمساعدات العينية، بل يتطلب توفير بدل إيجار أو مخصصات للسكن، وتأمين وحدات سكنية مؤقتة ملائمة، وتسريع إزالة الركام وتأهيل المناطق المتضررة، مع إعطاء الأولوية للأسر التي فقدت منازلها بالكامل والفئات الأكثر هشاشة. وبالتوازي مع ذلك، ينبغي وقف الضرائب والجبايات والرسوم غير الضرورية التي تثقل كاهل المواطنين والتجار، من قبل الجهات القائمة على إدارة الشؤون اليومية في القطاع، وفرض رقابة جدية على الأسواق، ومواجهة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وضمان تدفق السلع الأساسية وتوافرها بأسعار مناسبة.
أما على المستوى الدولي، فإن إعلان قطاع غزة منطقة منكوبة يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة لا يجوز تجاوزها: نحن لسنا أمام كارثة طبيعية، بل أمام كارثة إنسانية واقتصادية واجتماعية واسعة النطاق، نتجت عن حرب إبادة وتدمير ممنهج نفذه الاحتلال الإسرائيلي، وأودت، وفق آخر الحصائل المعلنة في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، بحياة 74,609 فلسطينيين وأصابت 175,872 آخرين، فيما لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، وتعجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم. وهذه الأرقام، فضلاً عن حجم الدمار الذي طال المنازل والمنشآت والبنية التحتية ومرافق الحياة، تكشف عن كارثة لا يمكن التعامل معها من خلال المساعدات الطارئة وحدها.
إن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك لضمان حماية المدنيين، وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإدخال المواد والمعدات اللازمة لإزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق الحيوية، وتوفير التمويل اللازم لبرامج التعافي وإعادة الإعمار، والمساهمة في جبر الأضرار والخسائر التي لحقت بالشعب الفلسطيني، إلى جانب اتخاذ خطوات جدية لمساءلة الاحتلال عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها.
ولا يجوز أن يبقى التمويل الدولي رهناً بالمساعدات الطارئة أو الاستجابات الموسمية، بل ينبغي إنشاء صندوق دولي مخصص للتعافي وإعادة إعمار قطاع غزة، بمساهمات الدول والجهات المانحة والمؤسسات المالية، وفق آليات شفافة ورقابة مستقلة، وبما يضمن توجيه الموارد إلى الاحتياجات الفعلية للمواطنين والأولويات الوطنية. فإعادة الإعمار ليست مشروعاً خيرياً أو منحة مشروطة، بل حق للشعب الفلسطيني وجزء من جبر الضرر الذي لحق به، ولا يجوز أن تتحول المساعدات الدولية إلى بديل عن مسؤولية الاحتلال عن حرب الإبادة والدمار الذي تسبب به.
ومن المهم التأكيد أن إعلان القيادة الفلسطينية قطاع غزة منطقة منكوبة لا ينشئ، بحد ذاته، التزامات قانونية دولية جديدة، لكنه يشكل خطوة سياسية ودبلوماسية مهمة لتوثيق طبيعة الكارثة وحجمها واحتياجاتها، وتوحيد الموقف الفلسطيني في المطالبة بالاستجابة الدولية، والدفع نحو تفعيل الالتزامات القائمة، ووضع الدول والمؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها تجاه حماية المدنيين وإغاثتهم والتعافي من آثار الدمار.
وفي الوقت ذاته، فإن تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته لا يعني نقل إدارة القطاع أو تقرير مستقبله إلى أطراف خارجية، ولا يبرر فرض وصاية أو ترتيبات تنتقص من القرار الوطني الفلسطيني. فالمطلوب دعم دولي حقيقي لجهد وطني فلسطيني، تكون فيه المرجعية والقرار فلسطينيين، وتُدار فيه عملية الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار وفق أولويات الشعب الفلسطيني واحتياجاته وحقوقه. كما ينبغي ألا يؤدي الإعلان إلى التعامل مع غزة باعتبارها ملفاً منفصلاً عن الضفة الغربية والقدس، أو أن يتحول إلى مدخل لتكريس الفصل السياسي والجغرافي؛ فهي جزء لا يتجزأ من الأرض والشعب والمؤسسات والقرار الوطني الفلسطيني، وأي خطة للتعافي والإعمار ينبغي أن تعزز هذه الوحدة وترتبط بمشروع إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
إن إعلان قطاع غزة منطقة منكوبة ليس مطالبة للعالم بأن يقوم مقام القيادة الفلسطينية، وليس إعلاناً من القيادة للتنصل من مسؤولياتها، بل هو تحديد واضح للمسؤوليات وفتح لمسار عملي لمواجهة الكارثة. فالقيادة مطالبة بأن تتحمل مسؤولياتها تجاه شعبها، من خلال قرارات وإجراءات وخطط ملموسة لحماية الناس واستعادة مقومات الحياة، والمجتمع الدولي مطالب بأن يتحمل مسؤولياته تجاه كارثة تسبب بها الاحتلال، من خلال الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار وجبر الضرر، فيما لا يجوز إعفاء الاحتلال من مسؤولية ما ارتكبه وما خلّفه من دمار وخسائر.
فغزة لم تصبح منطقة منكوبة بفعل الطبيعة، حتى تكون مسؤولية إغاثتها عملاً خيرياً أو مسألة تضامن عابرة، وإنما بفعل حرب إبادة وتدمير يتحمل الاحتلال مسؤوليتها. ومن هنا، فإن إعلانها منطقة منكوبة ينبغي أن يكون بداية لتحمل المسؤوليات، لا مجرد توصيف للكارثة؛ بداية لعمل وطني منظم، وتحرك دولي جاد، ومساءلة للمسؤول عن الجريمة.
إن إعادة بناء غزة لا تبدأ بإعادة بناء الحجر وحده، بل تبدأ بحماية الإنسان الفلسطيني وصون كرامته وحقه في الحياة، واستعادة مقومات عيشه، وفتح الطريق أمام مستقبل آمن وكريم، في إطار وحدة الأرض والشعب والقرار الوطني الفلسطيني.
غزة – 3-11-2026