4 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 18-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات هيثم زعيتر مقالات هيثم زعيتر رحيل اللواء مطيع أبو الليل.. بقي وفيّاً للقرار الوطني الفلسطيني المُستقل
رحيل اللواء مطيع أبو الليل.. بقي وفيّاً للقرار الوطني الفلسطيني المُستقل
هيثم زعيتر
2026-08-18
رحيل اللواء مطيع أبو الليل.. بقي وفيّاً للقرار الوطني الفلسطيني المُستقل

 

غيب الموت، يوم الأحد في 16 آب/أغسطس 2026، في "عاصمة الجنوب، صيدا، قامةٌ فلسطينية عسكرية ونضالية عُرفت على مدى عقود بالالتزام والانضباط والوفاء، برحيل اللواء مطيع أبو الليل (خير محمود زيدان "أبو أيمن"، عن 80 عاماً)، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل في صفوف حركة "فتح" و"قوات الأمن الوطني الفلسطيني".

لم يكن رحيل الصديق "أبو أيمن"، مجرد خبر عن وفاة أحد الضباط، الذين أدوا واجبهم ثم ترجلوا، بل كان طيّ صفحة من صفحات جيلٍ فلسطيني نشأ على فكرة الثورة، وحمل البندقية في زمنٍ كانت فيه القضية الفلسطينية تُواجه الحصار والمُؤامرات والاعتداءات والحروب، قبل أن ينتقل هذا الجيل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها الحفاظ على الهوية والقرار الوطني المُستقل، وصون العلاقات الفلسطينية ـ اللبنانية.
بدأت حكاية اللواء مطيع أبو الليل من فلسطين، حيث أبصر النور في طبريا، في العام 1946، قبل أن يُجبر مع عائلته على مُغادرة أرض الوطن إلى لبنان في العام 1948، بفعل المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية.
 عرفَ معنى اللجوء مُبكراً، قبل أن تقوده الظروف، ومسيرة الحياة إلى ساحات العمل الوطني، فتبلورت مُنذ سنواته الأولى، صفات سترافقه طوال حياته: حب الناس، مُساعدة المُحتاج، التواضع، طيبة القلب وحسن المعشر.
مع انخراطه في العمل الوطني الفلسطيني، انتقل من مرحلة النضال الشعبي إلى العمل العسكري المُنظم، وخضع لدورات وتدريبات عسكرية عدة، أهلته لتولي مسؤوليات مُتقدمة، وصولاً إلى رتبة لواء.
كانت السنوات التي خدم خلالها في صفوف حركة "فتح" مليئة بالمحطات الصعبة، حيث عاش مراحل المُواجهة والاشتباك والدفاع عن المُخيمات والمُؤسسات الفلسطينية، وشهد تحولات كبرى أصابت الساحة الفلسطينية، كما عايش الظروف اللبنانية والفلسطينية بكل تعقيداتها.
مع كل هذه التحولات، بقي مُتمسكاً بانتمائه إلى حركة "فتح"، بما كان يراه جوهر المسيرة الفلسطينية: الحفاظ على القرار الوطني الفلسطيني المُستقل، وعدم السماح للظروف السياسية والأمنية بأن تدفع الفلسطينيين إلى التخلي عن ثوابتهم أو استقلالية قرارهم.
لم تكن هذه القناعة بالنسبة إليه شعاراً يُرفع في المُناسبات، وإنما كانت سلوكاً يومياً وموقفاً ثابتاً.
لذلك ظل، حتى بعد بلوغه سن التقاعد، قريباً من هموم زملائه ورفاقه، ومُتابعاً لأوضاع أبناء الحركة و"قوات الأمن الوطني الفلسطيني".
من أبرز ما يُذكر في مسيرته، دوره في إعداد وتخريج أجيال من الكوادر والضباط والعناصر الذين التحقوا بصفوف حركة "فتح" و"قوات الأمن الوطني الفلسطيني".
فقد كان يُؤمن بأن استمرار المسيرة لا يكون بالأشخاص وحدهم، إنما بإعداد الأجيال القادرة على حمل المسؤولية من بعدهم، ولهذا، لم يتعامل مع التدريب العسكري باعتباره مُجرد تعليم للمهارات والانضباط، بل كان يراه جزءاً من بناء الشخصية الوطنية.
خاض خلال مسيرته محطات ومعارك مُتعددة، دفاعاً عن الحركة والوجود الفلسطيني، في مراحل كان فيها الفلسطينيون أمام تحدياتٍ أمنية وسياسية كبيرة، يحتاج فيها الحفاظ على المُؤسسات والكوادر إلى صبر وتضحيات وقدرة على تجاوز الأزمات.
لذلك، بقيت تجربته بالنسبة إلى كثير ممن عاصروه مُرتبطة بفكرة الاستمرارية؛ فالمسيرة، كما كان يُؤمن بها، ليست محطة واحدة، إنما حلقات مُتواصلة، يُسلم فيها جيلٌ الراية إلى جيل.
ارتبط اسم اللواء مطيع أبو الليل بمدينة صيدا، "عاصمة الجنوب" اللبناني، المدينة التي شكلت على مدى عقود مساحة أساسية في العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، فلم يكن يرى العلاقة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، علاقة سياسية عابرة، بل كان يُؤكد دائماً أنها علاقة تاريخية عميقة، امتزجت فيها المُعاناة والتضحيات والدماء.
وعمل على توطيد العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، خصوصاً في الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة، حيث كان حريصاً على أن تبقى هذه العلاقة قائمة على الاحترام المُتبادل، والمصالح المُشتركة وحسن التواصل، وأن ما يجمع الشعبين، أكبر من أي ظرف عابر، لذلك كان حريصاً على مد جسور التواصل، والتأكيد أن الفلسطيني في لبنان جزء من النسيج الإنساني والاجتماعي، الذي احتضنه لبنان لعقودٍ، حيث تعمد النضال بتضحيات مُشتركة.
على الرغم من وصوله إلى رتبة لواء، بقيت الصورة الإنسانية لـ"خير زيدان" أكثر حضوراً لدى كثر ممن عرفوه.
كان قريباً من الناس، يفتح بابه أمام من يحتاج إلى المُساعدة، ويصغي إلى مُشكلات أبناء شعبه وزملائه، حيث عرفه رفاقه بطيب الخلق، وحسن اللقاء، وهدوء الطبع، وهي صفات بقيت مُلازمة له مُنذ سنوات صباه وحتى مراحل حياته الأخيرة.
كان يُؤمن بأن المسؤولية لا تُقاس بما يحمله الإنسان من رتبة أو منصب، إنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
من هنا، لم تنحصر اهتماماته في الجانب العسكري، بل امتدت إلى مُتابعة قضايا زملائه وحقوقهم، لا سيما أبناء حركة "فتح" و"قوات الأمن الوطني الفلسطيني" والمُتقاعدين.
كان يعتبر أن الوفاء للرفاق لا ينتهي بانتهاء المُهمة أو التقاعد، وأن من عاش معهم سنوات النضال لا يُمكن أن يتخلى عنهم عندما يحتاجون إلى من يقف إلى جانبهم.
عندما وصل اللواء أبو الليل إلى سن التقاعد، لم يشعر بأن التقاعد يعني انتهاء دوره، فقد بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في وجدانه، وظل وفياً للمسيرة التي بدأها في شبابه.
صحيح أنه ابتعد عن المسؤوليات العسكرية المُباشرة، لكنه لم يبتعد عن الناس، ولم يتخلَّ عن اهتمامه بأوضاع زملائه ورفاقه.
كان يرى أن النضال يأخذ أشكالاً مُختلفة، وأن الإنسان يستطيع أن يخدم قضيته ومُجتمعه حتى بعد مُغادرة الموقع الرسمي.
هكذا تحولت مرحلة التقاعد لديه، من نهاية إلى امتداد لمسيرة طويلة، حافظ خلالها على حضوره الاجتماعي والوطني، وبقي قريباً من أبناء الحركة والشعب الفلسطيني في لبنان.
من أبرز ملامح شخصية اللواء مطيع أبو الليل تمسكه بالقرار الوطني الفلسطيني المُستقل، خصوصاً في الفترات التي تعرضت فيها حركة "فتح" لضغوط وتحديات ومُحاولات للتأثير في توجهاتها.
كان يرى أن قوة الفلسطينيين تكمن في وحدتهم وقدرتهم على حماية قرارهم الوطني، وأن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للتخلي عن الهوية الوطنية أو الارتهان للآخرين!
لذلك، بقي مُتمسكاً بالحركة وبالمشروع الوطني الفلسطيني، مهما تبدلت الظروف.
لم تكن هذه المواقف سهلة في مراحل شهدت انقسامات وصراعات وضغوطاً مُتعددة.
فقد اختار كما فعل كثيرون من أبناء جيله - أن يتمسك بما آمن به مُنذ البداية، وأن يبقى إلى جانب رفاقه والحركة التي انتمى إليها.
ينتمي اللواء مطيع أبو الليل إلى جيل من الفلسطينيين، الذين لم تكن حياتهم مُنفصلة عن القضية.
ذلك الجيل الذي عاش اللجوء، وحمل همّ فلسطين، وانخرط في العمل الوطني، وتعلم أن الطريق طويل، وأن الثمن قد يكون باهظاً.
كان جيلاً يرى في التنظيم والانضباط والتضحية أدوات لحماية القضية، وفي إعداد الكوادر ضمانة لاستمرارها.
من هذه الزاوية، فإن سيرته، ليست سيرة رجل عسكري فقط، إنما صورة لجيل كامل عاش التحولات الفلسطينية واللبنانية من مواقع مُختلفة، وترك وراءه شبكة واسعة من العلاقات والذكريات والرفاق.
لقد حقق واحدة من أمنياته، بأن زار أرض الوطن فلسطين، مُشاركاً في انعقاد المُؤتمر العام السادس لحركة "فتح"، في آب/أغسطس 2009، وإن كان يمني العودة إليها مُحررة.
برحيل اللواء مطيع أبو الليل، تخسر حركة "فتح" و"قوات الأمن الوطني الفلسطيني" في لبنان، أحد أبناء جيلها، الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الحركة والقضية.
لكن، رحيل الإنسان لا يعني بالضرورة نهاية أثره.
فما يبقى من الرجال ليس الرتبة وحدها، ولا المناصب التي شغلوها، إنما ما زرعوه في نفوس من عرفوهم، وما قدموه للناس، وما تركوه من قيم وتجارب.
سيظل اسم اللواء مطيع أبو الليل، مُرتبطاً بمسيرة طويلة من العمل العسكري والتنظيمي، وبعلاقاته مع أبناء شعبه ورفاقه، وبحرصه على مُساعدة الناس، وتمسكه بحركة "فتح" وبالقرار الوطني الفلسطيني المُستقل.
في وداعه، لا يملك رفاقه وأصدقاؤه وأبناء شعبه إلا أن يستعيدوا صورة الرجل الذي عاش قريباً منهم: عسكرياً عندما احتاجت المراحل إلى العسكري، ورفيقاً عندما احتاج الرفاق لمن يقف إلى جانبهم، وإنساناً عندما كان الإنسان هو العنوان.
رحل اللواء مطيع أبو الليل، لكن مسيرته بقيت شاهدة على زمنٍ طويل من النضال الفلسطيني في لبنان، زمنٍ كان فيه الرجال يحملون مسؤولياتهم بصمت، ويُغادرون المواقع من دون أن يُغادروا القضية.
رحمه الله، وأسكنه فسيح جنانه، وألهم عائلته وأهله ومُحبيه الصبر والسلوان، وأبقى ذكراه حاضرة في ذاكرة رفاقه وأبناء شعبهِ، وفي سجل الذين عاشوا لفلسطين، وظلوا أوفياء لها حتى النفس الأخير.

جنوبيات
أخبار مماثلة