10 ربيع الأول 1448

الموافق

الإثنين 24-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة قانون العفو العام.. ولادة من الخاصرة
قانون العفو العام.. ولادة من الخاصرة
مالك الهزاع
2026-08-24
قانون العفو العام.. ولادة من الخاصرة

 

بعد سنوات طويلة من المطالبات والتحركات الشعبية، وبعد كثير من النداءات الحقوقية والإنسانية، وبعد طريق ممتد ومعبّد بالألم والمعاناة والانتظار من قاطني السجون وذويهم؛ ولد أخيراً قانون العفو العام ولادة قيصرية تحت قبة مجلس النواب، وولد معه الأمل الذي كاد يلامس سقف المستحيل.

لقد جاء هذا القانون متأخراً جداً، بعد أن أُهدرت أعمار وسُرقت سنون من حياة المظلومين في عتمة زنزانات طال فيها التوقيف بلا محاكمات، وبعدما تخطَّف الموت سجناءً نخرت أمراض السجن أجسادهم، فرحلوا بغصتهم قبل أن يبصروا شعاع هذه اللحظة.

سنوات من الوعود والانتظار العسير

على مدى سنوات طويلة، ظل هذا الملف الإنساني أسير الأدراج المغلقة، لا يُسحب منها إلا في مواسم الاستثمار الانتخابي؛ لتقطع به الوعود ثم يُعاد نسيانه فور انقضاء الحاجة منه. وطوال ذلك المخاض العسير، كانت آلاف العوائل وحدها تدفع الثمن الأكبر؛ أمهات أرهقهن الوقوف في الطرقات تحت حر الشمس، وأصوات بَحّت في المظاهرات المطالبة بالعدالة، وأسر تفتتت أواصرها وهي تنتظر فرجاً يماطل فيه السياسيون ولا يجيء.

لم تقف آثار هذا التعطيل عند حدود البيوت المتألمة، بل امتدت لتخنق الجسد القضائي والأمني برُمته؛ إذ وصلت السجون اللبنانية إلى نقطة الانفجار من جراء اكتظاظ تجاوز كل الطاقات الاستيعابية، ليتحول هذا القانون من مطلب محق وعادل للأهالي إلى ضرورة ملحة لتخفيف العبء عن الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية التي تُصارع للاستمرار وسط الأزمات اللبنانية الخانقة.

واليوم، وبعد أن تجاوز التشريع كل التعقيدات ووصل القانون إلى محطته الحاسمة على أعتاب القصر الرئاسي، تطل مجدداً محاولات المزايدة والتجييش. إن المحاولات التي يقودها البعض لعرقلة القانون أو إجهاضه في هذه اللحظة بالذات ليست سوى متاجرة صريحة بآلام الناس، واستثمارٌ فج في جراح لم تعد تحتمل المزيد من النزف.

مخاطر العرقلة ورهان الاستقرار

إن الاستماتة في تعطيل هذا الملف لا تمس المشمولين به وحدهم، بل تتجاوزهم لِتُحدث شرخاً مجتمعياً خطيراً يُهدد الاستقرار والسلم الأهلي داخل بيئات لبنانية مكلومة، مع ما يحمله ذلك من ارتدادات كارثية على شارع محتقن لم يعد يحتمل خيبة أمل جديدة، بعد خيبات كثيرة سابقة لا تزال تكويه كجمر تحت الرماد.

لحظة تاريخية في القصر الرئاسي

يقف هذا الملف اليوم أمام امتحان المسؤولية الوطنية والأخلاقية الكبرى. إن حسم هذا القانون بالتوقيع والموافقة هو الخيار الوحيد القادر على إغلاق صفحة طويلة من الظلم والمعاناة، وإنصاف سنوات الصبر والدموع. وهي فرصة تاريخية أمام رئيس الجمهورية ليضع ختمه على هذا القرار المنقذ، ليكون هو صانع هذه الصفحة الجديدة، والمُرمم لجراح آلاف العائلات التي تنتظر أن تنحاز الدولة لإنسانيتها وتستجيب لآلام أبنائها فوق كل الحسابات والمصالح الضيقة.

*مستشار المرصد اللبناني لحقوق السجناء

جريدة اللواء
أخبار مماثلة