22 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 05-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة الاختطاف بدل الاغتيال... ما وراء العمليات الإسرائيلية في غزة؟
الاختطاف بدل الاغتيال... ما وراء العمليات الإسرائيلية في غزة؟
أحمد أبو قمر
2026-09-05
الاختطاف بدل الاغتيال... ما وراء العمليات الإسرائيلية في غزة؟

تصاعدت في قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة عمليات تنفذها مليشيات وقوات خاصة إسرائيلية تعمل في مناطق مختلفة من القطاع، وسط مؤشرات على تنامي جرأتها في التحرك وتنفيذ مهام أمنية في مناطق خارج نطاق سيطرتها المباشرة، بالتزامن مع إسناد جوي وميداني.

وفي أحدث هذه العمليات، قالت سرايا القدس (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي) إن "قوة من المليشيات العميلة بإسناد من طائرات الاحتلال المسيّرة، تقدمت في منطقة القرارة شمال خانيونس، في محاولة لاختطاف أحد المقاومين، وإن القوة تعرضت لاشتباك قبل تدخل الطيران لتأمين انسحابها وانتهت العملية باستشهاد المُختطف فادي العبادلة".

ويعيد ذلك إلى الواجهة ما حدث مع المسؤول في الأمن الداخلي معين العرابيد، الذي اختطفته قوة إسرائيلية من مدينة غزة يوم الثلاثاء الماضي، بعدما أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني أن قوة إسرائيلية خاصة تسللت إلى منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة باستخدام مركبات مدنية، تحت غطاء قصف جوي كثيف شاركت فيه عشرات الطائرات الحربية، ما أسفر عن استشهاد عدد من المواطنين وإصابتهم.

وتقول منصة الحارس، التابعة لأمن المقاومة في غزة، إن التصدي لعملية خطف العرابيد، أسفر عن اعتقال ثلاثة عملاء للاحتلال، بينهم امرأة، كانوا ينتحلون صفة عاملين في مؤسسة إغاثة دولية لتسهيل الحركة وجمع المعلومات. وأفادت التحقيقات الأولية التي نشرتها المنصة، بأن القوة الخاصة وصلت قبل العملية بساعات، فيما كشف اشتباك العرابيد وجودها.

وتنتشر المليشيات والمجموعات المسلحة بصورة متفاوتة بين مناطق القطاع، وفق طبيعة كل منطقة والظروف الأمنية والميدانية فيها. ويتركز حضورها في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل والتي تعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يعكس هذا التوزيع تعدد الأدوار والمهام من جمع المعلومات وتأمين الحركة إلى تنفيذ أنشطة ميدانية، وسط عملها بتنسيق وغطاء إسرائيلي. وهناك خمس مليشيات شرقي رفح وشرقي خانيونس وشرقي المنطقة الوسطى وشرقي مدينة غزة وشرقي وشمالي بيت لاهيا.

وثمة هدف آخر وراء هذه العمليات، يتمثل في اختبار مدى تأثير سنوات الحرب والضربات الإسرائيلية على منظومة الأمن والمقاومة داخل غزة، وفق خبراء. فبعد قرابة ثلاثة أعوام من الحرب، يريد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يختبر ما الذي أحدثته الضربات الإسرائيلية داخل قطاع غزة وما إذا كانت إسرائيل تمكنت من القضاء على البعد الأمني والأجهزة الأمنية والمقاومة الداخلية للفصائل الفلسطينية أو إضعافه، بما يسّهل على قواته الوصول إلى عمق القطاع. وبذلك تمنح عمليات التوغل والاختطاف، إسرائيل فرصة لقياس مدى جاهزية المقاومة وقدرتها على رصد القوات الخاصة والتعامل معها، وبالتالي تقييم حجم الضرر الذي ألحقته الحرب بالمنظومة الأمنية والعسكرية الفلسطينية.

وتكشف هذه العمليات، بالتالي، عن انتقال إسرائيل من استهداف الأفراد إلى اختبار البيئة الأمنية نفسها، مستفيدة من الغطاء الجوي والمعلوماتي والميداني الذي توفره المليشيات. ويبدو الاختطاف أكثر أهمية من الاغتيال عندما تكون المعلومة هدفاً، وقد تصبح العملية اختباراً لقدرة المقاومة على كشف الاختراقات
لماذا الاختطاف؟

ويؤكد الخبير في الشأن الأمني سمير عباهرة، أن العمليات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة تأتي في سياق حاجة إسرائيل إلى تحديث بنك أهدافها بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، إلى جانب سعيها إلى استعراض القوة وتوجيه رسائل تقنع بها المجتمع الإسرائيلي بشأن ما تعتبره نتائج ونجاحات للحرب.

ويقول عباهرة إن استمرار عمليات الاغتيال والاعتقال والاختطاف والعمليات الخاصة داخل القطاع، قد يوفر لإسرائيل فرصة لجمع معلومات جديدة عن عناصر وقيادات، بما يخدم جهودها في تحديث بنك الأهداف والحصول على معلومات استخبارية إضافية.

ويوضح الخبير أن هذا الاستعراض العسكري يرتبط كذلك بالحالة المعنوية داخل المجتمع الإسرائيلي، إذ تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تقديم صورة مفادها أن الحرب في غزة حقّقت إنجازات أمنية وأن الجيش الإسرائيلي لا يزال يمتلك القدرة على الوصول إلى أهدافه وتنفيذ عمليات نوعية، رغم مرور نحو ثلاث سنوات على بدء الحرب.

ويشير عباهرة إلى أن هذه الاعتبارات تتقاطع بشكل واضح مع الحسابات السياسية والانتخابية لنتنياهو وائتلافه، معتبراً أن رئيس حكومة الاحتلال يواجه مأزقاً سياسياً وانتخابياً، وبالتالي فإنه يسعى إلى تعويض الإخفاقات الداخلية من خلال إبراز البعد الأمني والعسكري.

وحول المرحلة المقبلة، يتوقع عباهرة تصاعد وتيرة العمليات الإسرائيلية الخاصة والاستعراضية في القطاع خلال الأسابيع المقبلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن نتنياهو وائتلافه سيعملان على توظيف الملف الأمني والعسكري إلى أقصى حدّ ممكن. وينوّه إلى أن العمليات قد تشمل مزيداً من الاغتيالات والاعتقالات والاختطافات والاستهدافات النوعية، إلى جانب عمليات تهدف إلى استعراض القوة، مبيناً أن نتنياهو سيحاول استخدام مختلف ساحات المنطقة، سواء في غزة أو لبنان أو غيرهما لتعزيز صورته الأمنية أمام الناخب الإسرائيلي وتقديم نفسه وائتلافه باعتبارهما قادرين على حماية إسرائيل والحفاظ على تفوقها العسكري.


إيصال رسائل في غزة

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر، أن زيادة وتيرة عمليات القوات الخاصة الإسرائيلية داخل قطاع غزة خلال الفترة الماضية، يمكن تفسيرها في أكثر من اتجاه، أبرزها محاولة نتنياهو توجيه رسائل مفادها أن إسرائيل ما تزال قادرة على الوصول إلى أي هدف داخل القطاع.

ويشرح أبو قمر أن هذه الرسائل لا تقتصر على نمط واحد من العمليات وإنما تشمل الاغتيالات المباشرة والتمدد خارج "الخط الأصفر"، إلى جانب تنفيذ عمليات بواسطة القوات الخاصة داخل عمق القطاع، في محاولة لإظهار القدرة الإسرائيلية على العمل في مناطق مختلفة من غزة.

ويضيف: "البعد السياسي والانتخابي حاضر بقوة في حسابات نتنياهو، الذي يسعى إلى صناعة صورة إعلامية وأمنية تعزّز فرصه في قيادة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، خصوصاً في ظل تراجع فرصه وفق استطلاعات الرأي".
ويعرب أبو قمر عن اعتقاده بأن هناك جانباً أمنياً واستخبارياً مهماً وراء تكثيف عمليات الاختطاف، مشيراً إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة أدّت إلى استهداف أعداد كبيرة من العاملين في الأجهزة الأمنية والشرطية، ما أحدث تغييراً واسعاً في هيكلية المنظومة الأمنية داخل القطاع.

ووفق إحصائية صادرة عن وزارة الداخلية بغزة، فإن أكثر 2700 من عناصرها جرى استهدافهم على مدار الحرب، في وقت أدّت كثافة الضربات والتغييرات القسرية التي طرأت على مفاصل العمل الأمني إلى تراجع المعلومات المتاحة لدى الجانب الإسرائيلي بشأن الواقع الأمني داخل القطاع.

ويلفت أبو قمر إلى أن إسرائيل تسعى في هذه المرحلة إلى تجديد بنك أهدافها، وربما ترى في عمليات الاختطاف وسيلة للحصول على معلومات جديدة بدلاً من الاكتفاء بعمليات الاغتيال. ويوضح أن اختطاف شخصيات أمنية داخل قطاع غزة، سواء كانت مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو بفصائل المقاومة، قد يوفر لإسرائيل معلومات يمكن استخدامها في تحديد أهداف جديدة وفهم طبيعة التغييرات التي طرأت على البنية الأمنية والعسكرية خلال سنوات الحرب.

العربي الجديد
أخبار مماثلة