أفرجت إسرائيل عن عدد من المخطوفين المعتقلين اللبنانيين في سجونها منذ أيام. هذا أمر جيد بالنسبة لهم ولأهلهم، ومباركة حريتهم وفرحتهم، لأن دولة الاحتلال هي أسوأ دولة في العالم في تعاملها مع الأسرى والمعتقلين. المفرج عنهم هم من ضمن مجموعة لا تزال في السجون ويرفض المسؤولون السياسيون والأمنيون إعطاء معلومات عنهم، والسماح للصليب الأحمر الدولي بزيارتهم والإطلاع على أوضاعهم وقد أقرّوا قانوناً يجيز لهم إعدام الأسرى.
وزير الأمن بن غفير استعرض أمام وسائل الإعلام المكان الذي ستقام فيه المشنقة، وكيف سيشنق الأسرى، ثم زار سجن الأسيرات وسخر منهن، ورفض الاستماع إلى مطالبهن الإنسانية "لأنهن لَسن في فندق"، وقد تغيّر الزمن، كما قال. وفي الوقت ذاته كشفت وسائل إعلام اسرائيلية وعالمية منذ أيام معلومات عن تعذيبهن وإهاناتهن والاعتداء الجسدي والجنسي على بعضهن، ونظمت حملة لوقف تعذيب الأطباء واغتصابهم وتعذيبهم. تاريخ إسرائيل حافل بتعذيب الأسرى وقتلهم وترهيبهم بوسائل مختلفة. واليوم، مع المجموعة الحاكمة المتحكمة بمسار الأمور في هذه القضية يحصل ما لا يصدّق وما لم يحصل في معتقلات كثيرة في العالم. لذلك خروج عدد من المعتقلين من السجون الاسرائيلية أمر جيد. لكن أن يقال إن ما جرى هو بادرة "حسن نية" أقدمت عليها الحكومة الاسرائيلية، فهذا اعتداء على التاريخ والحقيقة والذاكرة لأسباب عديدة.
1 - ليس في تاريخ إسرائيل شيئ إسمه "حسن نية". المسؤولون الاسرائيليون يتفاخرون بالإعلان عن نياتهم وأهدافهم بالتوسّع والاحتلال والقتل والتعذيب والتنكيل بـ"الأعداء". تاريخهم في الخيام حافل. موثّق. تاريخهم وحاضرهم بالتعامل مع الأسرى الفلسطينيين يشكل جزءاً من الانقلاب الدولي الشعبي على دولتهم، وسبباً في "سمعتهم السيئة" والضرر اللاحق بحضورهم وتراجع مكانتهم وحضورهم! لا يمرّ يوم دون تحذيرهم من هذا السلوك وخطره من حماتهم وأصدقائهم ومؤيديهم، ومؤسساتهم الفاعلة المؤثرة أنفقت مئات ملايين الدولارات لتحسين "السمعة" و"تلميع الصورة" وفشلت كما أعلن رئيس المؤتمر اليهودي وغيره أكثر من مرة. حتى أن نتانياهو نفسه اعترف: "لقد خسرنا معركة الوعي". لذلك الحديث عن "حسن نية" إسرائيل أمر غير مقبول. ليس في مكانه. لا يهم إسرائيل: إلا مصلحة اسرائيل. لا تعنيها "السمعة" و"النية الحسنة". قامت على الاغتصاب والإرهاب وتستمر في السياسة ذاتها وبوسائل أبشع وأكثر وحشية واستفزازاً وتحدياً لكل القوانين والقرارات الدولية والمشاعر الإنسانية. وهي اليوم تعلن "النية" وبناء "لوعد إلهي" بالاستيلاء على مزيد من الأرض في لبنان وسوريا والأردن ومصر والسعودية والعراق. تهدّد، تتوعد، تقتل، تدمّر، تجرف الأراضي، تمحو معالم المدن والقرى، فهل ثمة شيئ حسن هنا ونية حسنة يمكن الوقوف عندها إلا بمفهوم وقناعة وتمنيات بعض اللبنانيين وسيطرة الحقد وروح الانتقام عليهم وأساليب ووسائل التعبير عنها ضد إخوانهم في البلد؟ وينبغي هنا التأكيد أن المفرج عنهم مخطوفون وليسوا مقاتلين أسرى كانوا في ميدان المعركة يقاتلون. وقد اعترف نتانياهو بذلك عندما قال: "لا ينتمون إلى منظمة إرهابية". والسؤال: لماذا خطفوا؟ لماذا اعتقلوا لفترة طويلة من الزمن؟
2 - في العقيدة الاسرائيلية والسلوك الاسرائيلي ثوابت. دولة الاحتلال: تعتقل. تعذّب. ثم تبتّز. تطلق سراح مجموعة لتعود وتعتقل مجموعات وتمارس الابتزاز ذاته لتحصل على ما تريد. فمن يمنع ويردع إسرائيل اليوم عن ترجمة هذه العقيدة وممارسة هذا السلوك؟ وإذا كان ثمة حسن نية، لماذا لا تقبل إعطاء معلومات عن الأسرى وتسمح للمنظمات الدولية الانسانية بزيارتهم للاطلاع على أوضاعهم؟ حتى هذه المسألة التي هي فرض واجب مبدئياً، موضع مساومة وابتزاز.
3 – أين "حسن النية" عندما تصرّ إسرائيل على خطف أبرياء ولم يقوموا بأي عمل ضدها، ثم "تبيع" "ورقتهم" بشرط، إقدام الدولة اللبنانية على تقديمم معلومات عن يهود لبنانيين قتلوا أو ماتوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية والبحث عن رفاتهم لنبشها وتسليمها في وقت ثمة مئات الآلاف من اللبنانيين قتلوا يومها وثمة آلاف بينهم من المفقودين الذين لا يعرف عنهم شيئ حتى الآن، فماذا تقول الدولة اللبنانية لأهاليهم والمسألة معقدة وصعبة ولم تجد طريقاً إلى الحل منذ توقف الحرب؟ هل اليهودي اللبناني مميز؟ أم أن "دولته الأم" قادرة على فرض شروطها اليوم وما علينا سوى القبول؟ وهل ستتوقف سلسلة الشروط والابتكارات الاسرائيلية في هذا المجال؟ دولة الاحتلال لا تقدّم معلومات عن أسرى أحياء لديها وربما جثث أسرى. وتفرض على الدولة اللبنانية الانغماس في البحث عن رفات أموات تصرّ على الوصول اليها .
4 – لم تتوقف الحملة الاسرائيلية على الجيش اللبناني ودوره وإدارته وقد أنجز الكثير الكثير من مهامه لتطبيق قرارات الحكومة والاتفاقات الموقعة مع إسرائيل بـ"رعاية أميركية" ويشارك في هذه الحملة لبنانيون للأسف يهاجمون قيادة الجيش. إسرائيل تسقط المناطق التجريبية التي يفترض حسب الاتفاق أن تؤدي إلى انسحابها منها ودخول الجيش اللبناني اليها. وتصرّ على امتحانات تجريبية للجيش لاستخدامه في عمليات ليست من اختصاصه ومهامه بل تريد توريطه بها في مواجهة مع أبناء بلده، والتقاعس عن القيام بذلك سيجعل الموافقة على اي انسحاب أمراً "بالغ الصعوبة والتعقيد". لترّد قيادة الجيش: "ما تطلبه إسرائيل يتجاوز مسألة ضبط السلاح ويستهدف فعلياً التدخل في شؤون حياة المواطنين. الجيش مهمته حماية الأرض والناس والحفاظ على السلم الأهلي"!
الحرب الاسرائيلية على لبنان في بداية مرحلة جديدة. ستكون طويلة. مكلفة، لتحقيق "النيات والأهداف" التي رسمها أركان حكومة الاحتلال وعلى رأسهم نتانياهو الذي يواجه معركة انتخابية مصيرية صعبة ويعتبر أن رصيده الأساس فيها ما حققه في الحرب على لبنان وغزة والضفة وسوريا وإيران وهو يريد استكمالها وبعض منافسيه شركاء في الأهداف ولو اختلفت أساليب إدارتهم. وحساباتنا يجب أن تقام على هذا الأساس تفاوضاً واعتراضاً، انطلاقاً من معرفتنا بـ"العدو" الذي نفاوض وتاريخه وسجلاته ومكره ومهاراته وقدراته في التفاوض والمناورة على وقع الحروب والقتل والدمار والخراب. للأسف لم تكن إدارة التفاوض ولا هي اليوم بمستوى هذا التحدي. وخطأ التسليم بكثير من الأمور التي تناولناها سابقاً في ما سمي "اتفاق الإطار" ندفع ثمنه اليوم واسرائيل مصرّة على استكمال مشروعها وتتصرف وكأن ليس ثمة اتفاق إطار أو برنامج. إطارها الوحيد: الاحتلال. التوسّع. الحرب المفتوحة. اليد المطلقة. لا رادع. لا حسيب. لا رقيب. فوضى داخلية. أحقاد. حسابات مذهبية طائفية خطيرة. تفلّت إعلامي. خطاب كراهية وعنصرية وضياع. تشتت. أزمات متشابكة. إرباك في التعامل معها وهروب مفتعل لدى بعضهم من هذه المسؤولية. إنهيار عربي. قصر نظر. تفكير متخلّف. إدعاء ووهم بالإمساك بورقة لبنان، أو سوريا، أو فلسطين، تذاك ببيع هذه الورقة أو تلك لأميركا أو لاسرائيل مباشرة أو للاثنين معاً وإقناع الذات أن هذا الأمر سيكون مقدّراً لدى هذه الدولة او تلك والمدّعون الواهمون مساكين غير مدركين أنهم لا يمونون على شيئ، وهم مجبرون على كل ما يفعلون ولن يكونوا بمنأى عن نتائجه لأن لا إرادة حكيمة ولا إدارة سليمة لديهم واسرائيل تستمر في قضم المواقف والمواقع والأراضي والتوسّع والاحتلال والتهجير والتدمير وفرض الأمر الواقع ويحدثونك عن حسن نيتها. بين حسن النية واسرائيل مسافات ضوئية لا حدود لها، فهل نحتاج إلى تجارب جديدة معها أم نتعلّم من كل ما سبق؟ "نيّال الذي لا يعرف" ماذا يجري خصوصاً في حال التشتت والضياع وانعدام الثقة والتعاون والوضوح وتبادل المعلومات بين المسؤولين وسوء النيات تجاه بعضهم، وسوء نيات خارج قريب أو بعيد يراهنون عليه!