بقلم أفضال خان، عضو مجلس العموم عن حزب العمال عن دائرة مانشستر رشولم
سبق أن كتبت أن مطالبات بريطانيا بالسلام في فلسطين ستظل جوفاء ولا قيمة لها ما لم نكن مستعدين لمحاسبة أنفسنا عن دورنا في خلق هذه الأزمة. هذه حقيقة قائمة منذ عام 1917، إذ تُستخدم كلمات بريطانيا التي صدرت في ذلك العام اليوم لتبرير ما يجري على الأرض.
في الشهر الماضي، أدان وزير الخارجية البريطاني، بحق، طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء نحو 1,200 وحدة استيطانية في منطقة E1 شرقي القدس، واستدعى القائم بأعمال السفير الإسرائيلي، وتعهد باتخاذ حزمة شاملة من الإجراءات ردًا على ذلك. غير أن رد نظيره الإسرائيلي، جدعون سار، لم يتناول الوضع القانوني للمستوطنات، بل عاد إلى عام 1917 ليقول إن وعد بلفور قد أقرّ حق البناء في المنطقة ذاتها. وكرر الوزير البريطاني وعده تحت قبة البرلمان يوم الثلاثاء، واصفاً منطقة E1 بأنها "تجاوز للخط الأحمر"، ومؤكداً للنواب أن الإجراءات ستُعلن خلال أسابيع. كما صرّح رئيس الوزراء بأن حزب العمال لم يُحسن التعامل مع ملف غزة في البداية، وأن اتخاذ إجراءات بشأن التجارة مع المستوطنات يثبت عزمه على تصحيح ذلك المسار.
ولا يمكننا دحض هذا الادعاء ما دمنا نرفض الإفصاح عما فعلناه لتطبيق ذلك "الوعد" وما تلا ذلك من أحداث.
وتكشف العريضة التي قدّمها عدد من الفلسطينيين إلى الحكومة في 7 سبتمبر/أيلول من العام الماضي، والتي تمتد على 400 صفحة ومدعّمة بأدلة ووثائق أرشيفية، كيف انتهكت بريطانيا القانون الدولي في فلسطين بين عامي 1917 و1948. وأعدّ العريضة كبار المحامين المتخصصين في حقوق الإنسان، من بينهم محاميان يحملان رتبة مستشار الملك (KC)، بالتعاون مع مؤرخين مختصين بتلك الحقبة التاريخية. وتطالب الحكومة بالرد عليها علنًا، والاعتراف بما ارتُكب، وتقديم اعتذار أمام مجلس العموم. وبعد مرور اثني عشر شهرًا، لم يصدر أي رد علني على العريضة، كما لم يتلقَّ 45 نائبًا وعضوًا في مجلس اللوردات، كانوا قد وجهوا رسالة إلى رئيس الوزراء السابق في مارس/آذار مطالبين برد، أي جواب أيضًا.
واللافت في تلك الحقبة هو مدى التشابه بين تفاصيلها وما نراه اليوم. ففي الأسبوع الأول من الثورة العربية عام 1936، أصدرت بريطانيا أنظمة طوارئ، وبحلول نهاية يونيو/حزيران استخدم الجيش تلك الأنظمة لهدم جزء كبير من البلدة القديمة في يافا. وأقرت بريطانيا أمام عصبة الأمم بهدم ما يصل إلى 237 مسكنًا متعدد الوحدات، فيما أُجبر آلاف الأشخاص على مغادرة منازلهم. وعندما طعن أحد السكان في عمليات الهدم، أبلغت الإدارة المحكمة بأن الأمر يتعلق بالتخطيط العمراني. وعلى الرغم من أن رئيس المحكمة العليا خلص إلى أن عمليات الهدم كانت قانونية من الناحية الفنية، فإنه وصف رواية الحكومة بأنها " افتقارًا واضحًا للشجاعة الأخلاقية".
ولا يقتصر الأمر على ما هو محفوظ في الأرشيف، إذ لا تزال إحدى الأدوات القانونية التي تعود إلى تلك الحقبة مستخدمًة حتى اليوم. فالمادة 119 من أنظمة الطوارئ لعام 1945 تتيح لقائد عسكري إصدار أمر بهدم منزل إذا اعتقد أن شاغليه قد شاركوا في ارتكاب جريمة.
وقد ألغت بريطانيا في مايو/أيار 1948 الأمر الملكي الذي كان يستند إليه العمل بهذه الأنظمة، وأكدت وزارة الخارجية أنها لم تعد سارية. ومع ذلك، تعاملت المحاكم الإسرائيلية معها كما لو أنها لم تُلغَ قط، ولا تزال المادة 119 تُذكر بوصفها الأساس القانوني لعمليات هدم المنازل العقابية في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى اليوم. وهذا يعني أن أي عائلة سيُهدم منزلها في الضفة الغربية هذا الخريف قد تفقده بموجب نظام وضعه مسؤولون بريطانيون باسمنا.
وكان دور البرلمان البريطاني متسقا مع ذلك؛ لأن "قانون فلسطين لعام 1948" قد حظر الملاحقات القضائية بشأن أي أعمال ارتكبها مسؤولون بريطانيون في فلسطين، وجعل الحصانة من هذه الملاحقات سارية بأثر رجعي، بحيث أصبح سلوك بريطانيا نفسها خارج نطاق نظام العدالة البريطاني، قبل أن يُطوى هذا الملف بهدوء.
ولا يحتاج أبناء دائرتي الانتخابية إلى من يقنعهم بأن للتاريخ تبعات، ولا ينبغي لحزب العمال أن يحتاج إلى ذلك أيضًا؛ فهو حزب تأسس على قناعة بأن القواعد ذاتها يجب أن تنطبق على الأقوياء كما تنطبق على الضعفاء، وهي قناعة لا تساوي الكثير إذا توقفت عند عتبة بابنا. فقد حظرت أيرلندا في يوليو/تموز استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، وعلى الحكومة التي تستعد للذهاب إلى أبعد من سابقتها أن تفعل، من باب أولى، ما هو أقل كلفة بكثير: قول الحقيقة بشأن ما فعلته بريطانيا. وستعتمد قوة الإجراءات التي يعلنها وزير الخارجية إلى مدى استعدادنا لإخضاع أنفسنا للمعيار ذاته الذي نطالب الآخرين بالالتزام به.
وسيُعقد مؤتمر الحزب في ليفربول في نهاية الشهر، وقبل ذلك، هناك ثلاثة أمور تستطيع الحكومة القيام بها: نشر ردها، والتعامل بصدق مع الأدلة الواردة في العريضة، والاجتماع بمقدمي العريضة ومستشاريهم القانونيين.
قد لا يعيد الاعتذار بناء منزل واحد في يافا، لكنه سيعني أنه في المرة المقبلة التي يُستشهد فيها بوعد بريطاني صدر عام 1917 لتبرير ما يجري في الضفة الغربية، ستكون لدى هذا البلد إجابة صادقة خاصة به.