لم يكد قانون العفو العام يخرج من مجلس النواب حتى دخل اختباراً جديداً أمام المجلس الدستوري. فالقانون الذي أُقرّ لمعالجة ملفات قضائية وإنسانية متراكمة، وُضع موضع الطعن، لتنتقل المعركة من قاعة التشريع إلى ساحة الرقابة الدستورية.
وهنا لا تكمن المسألة في السؤال التقليدي: هل نحن مع العفو العام أم ضده؟ بل في سؤال أكثر دقة: هل استُخدمت صلاحية العفو العام ضمن حدود الدستور، وبمعايير عامة ومجردة، أم تحوّل التشريع إلى وسيلة لتسويات سياسية أو لمعالجة ملفات بعينها؟
فالعفو العام، من حيث المبدأ، ليس استثناءً غريباً عن النظام الدستوري، ولا يعني إلغاء العدالة. لكنه، كأي قانون، لا يتحرر من الرقابة الدستورية لمجرد أن المشرّع أقرّه. فالمجلس النيابي يشرّع، والمجلس الدستوري يراقب مدى انسجام التشريع مع الدستور.
وتزداد حساسية المسألة عندما يتصل العفو بجرائم وملفات متفاوتة الطبيعة، وبضحايا ينتظرون العدالة، وبموقوفين أمضى بعضهم سنوات خلف القضبان من دون صدور أحكام نهائية بحقهم.
فحقوق الضحايا لا يمكن أن تُختزل، ولا يجوز أن يتحوّل العفو إلى باب لإفلات من تثبت مسؤوليته من العقاب. لكن في المقابل، لا يجوز أن يصبح طول التوقيف بديلاً عن المحاكمة، أو أن يبقى الإنسان خلف القضبان سنوات لأن العدالة تأخّرت في القيام بواجبها.
وهنا تتعقّد المعادلة أكثر: كيف يمكن حماية حق الضحية في العدالة، من دون التضحية بحق الموقوف في محاكمة عادلة وفي غضون مدة معقولة؟ وكيف يمكن معالجة أوضاع السجون والاكتظاظ والتوقيفات الطويلة من دون تحويل العفو إلى حل دائم لأزمات يفترض أن تعالجها الدولة بأدواتها القضائية والإدارية؟
لذلك، فإن الرقابة الدستورية على قانون العفو لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مواجهة بين فريق سياسي وآخر، ولا باعتبارها انتصاراً لفئة على حساب فئة. وظيفتها الأساسية هي التأكّد من أن التشريع، مهما كانت خلفياته السياسية والاجتماعية، بقي داخل الحدود التي يرسمها الدستور.
أما إذا اتجه المجلس الدستوري إلى وقف تنفيذ القانون، فذلك لا يعني حسم دستوريته، بل يكون إجراءً مؤقتاً يهدف إلى تجنّب ترتيب آثار قد يصعب تداركها قبل الفصل النهائي بالطعن. والكلمة الفصل تبقى للقرار الذي سيصدره المجلس في أساس الطعن.
والأهم أن لبنان لا يحتاج إلى عفو عام يتكرر كلما عجزت مؤسساته عن معالجة أزمة قضائية أو سجنية. ما يحتاجه هو قضاء قادر على الفصل في الملفات ضمن مهلة معقولة، وسجون تحترم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، وتشريع لا يُصاغ تحت ضغط اللحظة السياسية.
فالعفو يمكن أن يكون أداة تشريعية مشروعة عندما تفرضه اعتبارات عامة، لكنه يفقد معناه إذا أصبح بديلاً عن إصلاح القضاء أو وسيلة لتسوية الحسابات السياسية.
ويبقى السؤال الذي سيحسمه المجلس الدستوري أبعد من مصير قانون بعينه: هل نحن أمام عفو عام يستوفي شروطه الدستورية، أم أمام قانون يحمل في ثناياه تسويات لا يستطيع عنوان «العفو العام» أن يخفيها؟
فالسلطة التشريعية تملك أن تعفو، لكن الدستور هو الذي يضع حدود العفو.