تتحول الحركة الأفقية إلى قانون داخلي يحكم لوحة باسكال مسعود Pascal Massoudوكأنها تستدعي الطبقات اللونية المتتابعة لتشكيل المشهد الطبيعي المؤلف من ماء، أفق، صخور، غيوم، أرض أو طبقات جيولوجية، لكن هذا الاستدعاء لا يلبث أن يتفكك، وكأن اللوحة ترفض أن تكون منظرا بالمعنى التقليدي. فهي تركّز على ذاكرة المنظر الطبيعي كي تنتقل إلى شيء أكثر تجريدا. فكيف يمكن للعين أن ترى الحركة وهي ثابتة؟ وكيف يمكن للسطح المسطح أن يوحي بالعمق من دون منظور هندسي؟
تعيد باسكال في لوحات معرضها هذا اختراع آلية تشكلها، وتجعل من الأفق سلسلة من القوى المتعارضة التي تتراكم فوق بعضها، فتبدو اللوحة وكأنها سجل فيزيائي لحركة لم تتوقف لحظة واحدة.فالخطوط العريضة تمتد من اليسار إلى اليمين، لكنها ليست خطوطا هندسية مستقيمة، هي خطوط متقطعة، متعرجة، متآكلة، متداخلة، تتسع ثم تضيق، تختفي ثم تعود، وكأنها نبضات مسجلة على جهاز يقيس حركة غير مرئية. في الجزء العلوي تهيمن درجات الأبيض والعاجي والرمادي المزرق والأخضر الباهت، فتمنح العين إحساسا بالاتساع والتنفس والهواء. ثم كلما هبطنا نحو مركز اللوحة يبدأ النظام اللوني بالانقلاب تدريجيا إذ تُظهر فرشاتها الأحمر القاني، والأزرق العميق، والبنفسجي، والأسود، والأصفر المغبر، والتركوازي، فتزداد الكثافة البصرية والحرارية. وفي النصف السفلي تصبح الطبقات أكثر ثقالة، وكأن المادة نفسها ازدادت كثافة تحت تأثير الجاذبية. هذا الانتقال ليس مجرد توزيع جميل للألوان، هو بناء للعمق من خلال الكتلة اللونية. فباسكال لا تحتاج إلى نقطة تلاشي كي تقنعنا بالمسافة، لأنها تستبدل المنظور الهندسي بمنظور مادي وكأن اللون الفاتح يتراجع ويتيح للعين التنفس، بينما اللون الداكن والمشبع يتقدم ويضغط على المجال البصري.
يُشكل التجريد في لوحات باسكال مسعود تاريخا من الترسيب والكشط والتغطية والانكشاف. فالألوان الداكنة تمتص جزءا أكبر من الضوء المرئي، بينما تعكس المساحات البيضاء والفاتحة نطاقا أوسع، ولذلك تبدو مناطق اللون وكأنها تمتلك أوزانا فيزيائية مختلفة. ومع خشونة السطح، يصبح الضوء أكثر تشتتا، فلا يصل إلى العين بالطريقة نفسها التي يصل بها من سطح أملس، وبذلك يتحول النسيج إلى شريك في إنتاج اللون لا مجرد حامل له. كما تحول مسعود اللون إلى حدث بصري. اللون يحدث عندما يصل الضوء إلى المادة ثم يعود منها إلى العين، ولذلك فإن كل ضربة فرشاة أو أداة كشط تغير علاقة اللون بالضوء. وحين تضع الأحمر بجوار الأسود، لا يكون الصراع مجرد صراع رمزي بين الحياة والموت أو الحرارة والبرودة، بل يحدث تغير فعلي في إدراك العين للأحمر الذي يبدو أكثر توهجا بسبب التباين. وعندما يجاور التركوازي البنفسجي أو الأحمر، تنشأ اهتزازات بصرية تجعل العين تنتقل بسرعة بين مناطق السطح. والأكثر قوة في لوحاتها هذه هو التراكم. إذ لا تكتفي بضربة واحدة، بل تبني فوق الضربة ضربة أخرى وكأن ما نراه هو الحاضر لكن تحته أثار أزمنة سابقة.
تبلغ اللوحة ذروتها في المنطقة الوسطى والسفلية حيث يتحول اللون إلى جسد مادي يكاد يكون قابلا للمس. ثم تزداد قوة الأحمر والأسود والأزرق والأصفر، وتتقاطع الطبقات كما تتقاطع التيارات داخل مادة سائلة شديدة الاضطراب. بعض الشرائط تبدو وكأنها اندفعت بسرعة، بينما تتوقف أخرى فجأة، وهذا التفاوت في السرعة المتخيلة يمنح اللوحة ما يشبه علم الحركة. يمكن للعين أن تتخيل اتجاه الضربة، من اليمين إلى اليسار أو العكس، وأن تشعر بمقدار الضغط الذي ربما فرضته الأداة على السطح. فهل تجعل مسعود اللوحة نفسها فعلا حركيا. وهذا مهم جدا لأن التجريد الناجح لا يقوم فقط على إلغاء الشكل، بل على إعادة تنظيم حركة العين بعد إلغاء الشكل.فهل لوحات باسكال مسعود في هذا المعرض هي محاولة لتحويل الانفعال إلى نظام جمالي كي يصبح قابلا للاحتواء؟
معرض الفنانة باسكال مسعود في D Space مار مخايل ويستمر حتى 25 أيلول 2026