في آخر تحديث بشأن حقيقة التفاوض بين السلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي حول ملف الأسرى والمعتقلين، كشفت مصادر مطّلعة أنّ الوفد الإسرائيلي الذي شارك في اجتماعات روما، برئاسة غال هيرش، المسؤول عن ملف المفقودين في إسرائيل، جمع معطيات تتضمّن معلومات أمنية وأخرى صحافية حول يهود فُقدوا خلال موجة الحرب الأهلية التي أعقبت اجتياح عام 1982، ولم يُكشف مصيرهم أو يُعثر على جثثهم حتى اليوم.
وتشمل هذه المعطيات أماكن اختطافهم، وترجيحات بشأن هوية خاطفيهم، فضلاً عن عينات من فحوص الـDNA جرى الحصول عليها من أقاربهم، الذين يقيم بعضهم خارج الكيان الإسرائيلي. وبحسب المصادر، طلب الرئيس جوزيف عون من الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية العمل على توفير كل المعلومات المتعلقة بهؤلاء، والتثبّت من المعطيات التي قدّمها الجانب الإسرائيلي، ومحاولة الوصول إلى نتائج، بعدما أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة استعدادها للإفراج عن بعض المعتقلين في حال تبيّن لها أنّ لبنان يبذل الجهد المطلوب في هذا الملف.
وبحسب المعلومات، جرى بعيداً من الأضواء عمل ميداني تولّاه الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، أفضى إلى العثور على بعض الرفات، لكنّ المعلومات المتوافرة تشير إلى أنّها لا تعود إلى المفقودين الذين يبحث عنهم الجانب الإسرائيلي. وقد سُلّمت نتائج هذه المرحلة من البحث إلى الجانب الأميركي، الأمر الذي دفع السفير ميشال عيسى إلى جعل الملف مدخلاً لمحاولة كسر الجمود الذي يعتري المفاوضات. وعندما زار عيسى تل أبيب، طلب من بنيامين نتنياهو تقديم خطوة من شأنها مساعدة الرئيس عون وفريقه على المضي قدماً في المفاوضات.
في المقابل، اختار العدو خمسة محتجزين للإفراج عنهم، إلا أنّه أفرج فعلياً عن مواطن من عين عطا، لم يكن توقيفه على خلفية أعمال حربية، بل نتيجة محاولته العبور إلى الأراضي المحتلة، بناءً على اتصالات سابقة مع دروز في فلسطين المحتلة. أمّا الأربعة الآخرون، فكانوا ضمن شاحنة «بيك أب» توجّهت، عن طريق الخطأ، إلى منطقة في وادي الحجير، قبل أن توقفها دورية لجيش الاحتلال وتنقل أفرادها إلى داخل فلسطين المحتلة. وقد أظهرت التحقيقات معهم سريعاً أن لا علاقة لهم بالمقاومة أو بأعمالها.
ورفض العدو أن تشمل الخطوة أيّاً من المُعتقلين الذين أُسروا خلال المواجهات في الجنوب، أو إدراج هؤلاء ضمن إجراءات التفقّد التي ينفذها الصليب الأحمر الدولي.
ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أمس تقريراً أشارت فيه إلى أنّ «إفراج إسرائيل عن المحتجزين الخمسة كان مقابل تحرّك الحكومة اللبنانية للبحث عن رفات أشخاص من أبناء الطائفة اليهودية، اختُطفوا أو قُتلوا في سلسلة من الحوادث بين عامَي 1984 و1986».
وبحسب التقرير نفسه، يدور الحديث عن أمين سرّ الطائفة اليهودية اللبنانية، البروفيسور ألبرت إيليا، الذي اختُطف في بيروت عام 1971، وكان يبلغ 69 عاماً، وتقول إسرائيل إنّه نُقل إلى دمشق. وفي 15 آب 1984، اختُطف سليم مراد جاموس، البالغ 45 عاماً، والذي كان يشغل منصب الأمين العام للطائفة اليهودية اللبنانية. وبين 29 آذار و20 نيسان 1985، توالت عمليات خطف عدد من أبناء الطائفة، بينهم رئيسها إسحاق ساسون، والطبيب إيلي حلاق، وإيلي سرور، وحاييم كوهين حلالة، وكليمان دانا، وإسحاق تراب. وبقي مصير عدد منهم مجهولاً، فيما ظهرت لاحقاً معلومات عن بعض المخطوفين، أو عُثر على جثامين بعضهم. ففي تموز 1985، اختُطف راوول مزراحي، الذي كان يشغل منصب القائم بأعمال رئيس الطائفة اليهودية، قبل العثور على جثمانه بعد نحو عشرة أيام. وفي كانون الأول من العام نفسه، عُثر على جثمان حلالة، بعدما قُتل برصاصة في الرأس، وعُثر، في 31 كانون الأول، على جثمان تراب.
وفي شباط 1986، اختُطف يهودا بنيستي وابنه إبراهيم، بعدما كان ابن آخر للعائلة، يوسف بنيستي، قد اختُطف في مرحلة سابقة. وتشير الصحيفة إلى أنّ جثمان إبراهيم عُثر عليه لاحقاً، فيما بقي مصير والده يهودا وشقيقه يوسف مجهولاً.
يهود لبنان وإسرائيل
في أغلب التقارير الصحافية التي تناولت يهود لبنان، يرد أنّ معظم أبناء الطائفة الذين غادروا البلاد رفضوا الهجرة إلى فلسطين المحتلة، واختاروا بدلاً من ذلك التوجه إلى فرنسا والولايات المتحدة والبرازيل. أمّا آخر من بقي منهم في لبنان، فقد تراجع عددهم من نحو 9 آلاف شخص إلى أقل من ثلاثين خلال نصف قرن.
وكان إسحاق أرازي آخر أبرز الوجوه التي تولّت شؤون الطائفة اليهودية في لبنان. فقد شغل منصب رئيس مجلس الطائفة، وأدار شؤونها وتابع مصالحها القانونية والعقارية بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، بمساعدة المحامي باسم الحوت. وتوفي أرازي في كانون الأول 2023، عن عمر ناهز 80 عاماً.
وقبل وفاته، بقي أرازي بعيداً من الإعلام، وانصرف خصوصاً إلى متابعة شؤون الطائفة، وفي مقدّمها ترميم كنيس «ماغين أبراهام» في منطقة وادي أبو جميل وسط بيروت، الذي يُعدّ أكبر كنيس يهودي في العالم العربي، وقد شُيّد عام 1926. كما تابع أوضاع مقبرتين يهوديتين في لبنان. الأولى في بيروت، وهي «مدافن بيت علمين» الواقعة على طريق الشام في منطقة السوديكو، وتضم نحو 3400 قبر تعود إلى عائلات يهودية لبنانية عاشت في بيروت. والمقبرة مُغلقة اليوم بصورة دائمة، ولم تُفتح سوى مرة واحدة في عام 2023، عند دفن أرازي.
أمّا المقبرة الثانية، فتقع في صيدا، على شاطئ البحر في القسم الجنوبي من المدينة، وتضم عدداً من القبور التاريخية، لكنها مُغلقة منذ عقود طويلة، بعد هجرة العائلات اليهودية من صيدا بصورة شبه كاملة منذ منتصف القرن الماضي. وقد رُمّمت بعد اجتياح عام 1982، بالتزامن مع ترميم كنيس اليهود في البلدة القديمة، في «حارة اليهود»، وكذلك مقام «النبي صيدون». وهنا تتعدّد الروايات حول هوية صاحب المقام. فمؤرّخون من أبناء صيدا يقولون إنّ اسمه «زبلون» (Zebulun)، وهو، بحسب الرواية التوراتية، أخٌ غير شقيق للنبي يوسف. فيما يرى آخرون أنّ المقام يعود إلى هيكل فينيقي، بينما تذهب روايات أخرى إلى أنّه ضريح أحد الأولياء الصالحين، وفق ما تذكر بعض المراجع الإسلامية.
يُشار إلى أنّ هجرة اليهود من لبنان بدأت تتوسّع في ستينيات القرن الماضي، ثم تصاعدت عشية الحرب الأهلية وخلالها وبعدها، قبل أن تتخذ شكلاً شبه كامل في منتصف ثمانينيات القرن نفسه. إلا أنّ وجهة القسم الأكبر ممن غادروا لبنان لم تكن إسرائيل، بل الولايات المتحدة وفرنسا، فيما توجّه عدد محدود منهم إلى إسرائيل.
وقد كتب عن هذه الهجرة ضابط استخبارات إسرائيلي من أصل لبناني، يُدعى جاك نيربا، وكان من بين القلائل الذين هاجروا من لبنان عام 1969 إلى فرنسا، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى إسرائيل ويتطوّع في جيشها. وعمل نيربا مستشاراً لرئيس حكومة العدو إسحق رابين، كما شارك في لقاءات مع قيادات حزب الكتائب والقوات اللبنانية. ونشر لاحقاً كتاباً بعنوان «اللبناني»، انتقد فيه معظم يهود لبنان الذين غادروا بيروت، معتبراً أنّهم رفضوا الهجرة إلى إسرائيل واختاروا بدلاً من ذلك اللجوء إلى دول الغرب والعيش فيها.