28 ربيع الأول 1448

الموافق

الجمعة 11-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة سلبيات الشكل الإنساني حين يدخل في صراع مع المادة
سلبيات الشكل الإنساني حين يدخل في صراع مع المادة
2026-09-11
سلبيات الشكل الإنساني حين يدخل في صراع مع المادة

يدخلنا ويليم دي كونينغ Willem de Kooning إلى جيومترية لوحاته، فنكتشف أن فوضاها الظاهرية تخفي نظاماً بالغ الحساسية. ليست هندستها هندسة المسطرة والدوائر المنتظمة، وإنما هندسة القوى من مثلثات تتقاطع، مستطيلات تتوارى خلف الجسد، زوايا حادّة تقطع الامتداد العضوي، ومحاور مائلة تمنع العين من الاستقرار. الوجه نفسه يبدو كأنه مثلث مضغوط داخل مثلث أكبر، بينما يتحوّل الصدر إلى كتلة من الأقواس والزوايا، وتتحوّل الساقان إلى محورين عموديين يهبطان نحو أسفل اللوحة كأنهما آخر ما تبقّى من محاولة تثبيت الشخصية في الأرض. أما الذراعان فتؤدّيان وظيفة مختلفة، فهما لا يغلقان الشكل، بل يدفعانه إلى الخارج، وبذلك تصبح الهيئة كلها أشبه ببنية معمارية تتعرض لضغط داخلي. ثمة عمود رأسي في منتصف التكوين تقريباً، تقطعه خطوط أفقية ومائلة، فيما تتوزع حوله الكتل اللونية كما لو أنها أجزاء من بناء لم يكتمل. الأصفر في الخلفية لا يعمل كخلفية بالمعنى التقليدي، لأنه يدخل في صراع مع البياض، والأحمر لا يبقى داخل الجسد، بل يتسرب إلى أطرافه، والأزرق يظهر كومضات باردة تقاوم الحرارة البرتقالية والحمراء. هكذا تصبح الألوان نفسها عناصر هندسية. لكن اللون ليس «صفة» للشكل، بل قوة تشكّله. الأصفر يوسّع المجال ويجعله مضيئاً، الأحمر يضغط الكتلة ويمنحها توتراً جسدياً، الأزرق يفتح شقوقاً بصرية باردة داخل البنية، والأسود يرسم شبكة المقاومة.

لكن الأكثر إثارة أن الخط في هذه اللوحة لا يتصرف كحدّ فاصل بين الأشياء، بل ككائن مستقل له إرادته الخاصة. هناك خطوط تبدو كأنها تبحث عن شيء، وأخرى كأنها تتراجع عنه، وثالثة تقطع الشكل قطعاً مفاجئاً ثم تتركه معلقاً في الفراغ. وهذا ما يجعل الرسم مختلفاً عن الرسم التفسيري. في الرسم الذي يشرح، الخط خادم للصورة، يعرف مسبقاً إلى أين يجب أن يذهب، ويغلق الشكل كي يضمن أن نتعرّف إليه. أما هنا فالخط أشبه بفكر متوتر لم يحسم موقفه. إنه يرسم ويهدم في الحركة نفسها. يمكن للخط الواحد أن يبدأ بوصف ذراع، ثم يتحوّل إلى ضلع هندسي، ثم يصبح أثراً نفسياً، ثم يختفي قبل أن نعرف وظيفته. ولذلك فإن الجسد لا يبدو مرسوماً من الخارج، وإنما مكشوفًا من الداخل. حتى العينان، اللتان عادة ما تكونان مركز الهوية الإنسانية، تبدوان هنا كفتحتين داخل بنية أكبر، لا تمنحان الشخصية استقرارها، بل تزيدان غموضها. والفم المرسوم في هيئة شبه ابتسامة لا يحسم إن كان ابتسامة أم قناعاً أم أثرا لوجه يتشكل ثم يتشقق. فهل الجسد في هذه اللوحة ليس جسماً، وإنما ذاكرة صراعاته. فهل جيومترية لوحات ويليام دي كونينغ ليست هندسة الأشكال، بل هندسة النظر نفسه؟

لهذا تبدو هذه اللوحة، في جوهرها، أقل اهتماماً بتمثيل المرأة من اهتمامها بالكشف عن سلبيات الشكل الإنساني حين يدخل في صراع مع المادة. هنا لا يكون الرسم نافذة نطل منها على شيء، بل ساحة حدثت فيها معركة بين الخط واللون والجسد والفراغ. والجيومترية هي سجل هذه المعركة المثلثات آثار ضغط، المستطيلات بقايا انتظام، الخطوط المائلة علامات حركة، العموديات محاولات مقاومة السقوط، والألوان شحنات عاطفية تحاول أن تجد لها مكاناً داخل البناء. لذلك لا يمكن اختزال اللوحة في وصف مثل امرأة مشوّهة الصحيح القول إننا أمام جسد فقد امتياز أن يكون مكتملًا، فتحول إلى بنية تتفاوض مع نفسها. وربما هنا يكمن السؤال الأكثر عمقاً هل الفنان يرسم الجسد، أم يرسم اللحظة التي يفشل فيها الجسد في أن يبقى جسداً واحداً؟ إن اللوحة تجعل السؤال مرئيًاً وهذا هو الفارق الجوهري بين الرسم الذي يشرح والرسم الذي يكشف. الرسم الذي يشرح يقول لنا ما ينبغي أن نرى، أما الرسم الذي يكشف فيجعلنا نرى ما لم نكن قادرين على رؤيته في الشيء نفسه. إنه لا يضيف معنى إلى العالم بقدر ما يزيح الغطاء عن معنى كان مختبئاً فيه. لذلك فإن هذه اللوحة لا تنتهي عند حدودها، فهل الشكل هو ما يراه الفنان، أم الأثر الذي يتركه عجزه عن رؤية الشيء كاملا؟ وهل التشويه هو انحراف عن الحقيقة، أم ربما الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الفن أن يصل إلى حقيقة لا تستطيع الملامح السليمة قولها؟

أخبار مماثلة