لم تعد الانتخابات الفلسطينية مجرد استحقاق دستوري مؤجل، ولا شأناً داخلياً منفصلاً عن التحولات السياسية التي تشهدها القضية الفلسطينية؛ فقد أخذت تكتسب موقعاً متقدماً في المسار الدولي الرامي إلى إعادة بناء الشرعية الفلسطينية، وتوحيد مؤسساتها، وتهيئة الأساس السياسي والقانوني لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
ومن هنا تكتسب دعوة وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى إجراء الانتخابات الفلسطينية أهمية خاصة؛ فهي تأتي في سياق جهد دولي أوسع تقوده الجمهورية الفرنسية والمملكة العربية السعودية وشركاؤهما، بهدف تحويل التأييد الدولي لحل الدولتين من موقف سياسي عام إلى مسار عملي قابل للتنفيذ.
وقد كان إعلان نيويورك بشأن التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين محطة مهمة في هذا الاتجاه. فقد نص الإعلان، الذي شاركت فرنسا والسعودية في رئاسته، على دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة، وعلى إجراء انتخابات عامة ورئاسية ديمقراطية وشفافة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، تحت إشراف دولي، بما يسمح بتجديد التمثيل الفلسطيني وإتاحة المجال أمام جيل جديد من الممثلين المنتخبين لتحمل مسؤولياته.
ولم يكن ذلك مجرد توصية انتخابية عابرة؛ فالانتخابات جاءت في الإعلان ضمن منظومة متكاملة تشمل الإصلاح السياسي والمؤسسي، وتوحيد غزة والضفة الغربية، وتعزيز سلطة المؤسسات الفلسطينية الشرعية، وصولاً إلى مبدأ «دولة واحدة، حكومة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد»، باعتبار ذلك من متطلبات بناء الدولة الفلسطينية الموحدة والقادرة على ممارسة سيادتها.
وقد اكتسب هذا المسار وزناً دولياً إضافياً عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان نيويورك بأغلبية 142 دولة في سبتمبر/أيلول 2025، وهو ما وصفته فرنسا بأنه تعبير واسع عن إرادة المجتمع الدولي في الدفع نحو تنفيذ خارطة طريق للسلام وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى الانتخابات الفلسطينية على مستوياتها المختلفة: المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس التشريعي، ورئاسة دولة فلسطين، باعتبارها حلقات مترابطة في عملية تجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وليس باعتبار كل استحقاق منها مساراً منفصلاً عن الآخر.
فتجديد الشرعية الانتخابية، عندما يتم بصورة حرة ونزيهة وشفافة، يعيد مصدر الشرعية إلى الشعب الفلسطيني نفسه، ويفتح الطريق أمام إعادة ترتيب مؤسسات النظام السياسي على أساس الإرادة الشعبية، ويعزز وحدة القرار الوطني، ويمكّن المؤسسات المنتخبة من تحمل مسؤولية تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه ومصالحه الوطنية في المحافل الدولية.
والأهم أن هذه العملية يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة توحيد النظام السياسي والمؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، باعتبارها أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية. وقد أكد إعلان نيويورك صراحة دعم توحيد غزة والضفة الغربية، وتعزيز حكومة فلسطينية وطنية شرعية وديمقراطية على كامل الأرض الفلسطينية.
ومن هنا فإن الانتخابات لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة لإعادة بناء الشرعية السياسية والمؤسسية الفلسطينية، واستعادة وحدة النظام السياسي، وتهيئة القيادة والمؤسسات القادرة على حمل مشروع الدولة الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف بتقدير أمام الجهد الذي تبذله الجمهورية الفرنسية والمملكة العربية السعودية وشركاؤهما في الدفع بقضية فلسطين وحل الدولتين إلى صدارة الاهتمام الدولي، ومحاولة الانتقال بها من إطار البيانات والمواقف السياسية إلى إطار أكثر تحديداً من حيث الالتزامات والخطوات وآليات التنفيذ. وقد أثبتت وثائق مؤتمر نيويورك أن هذا الجهد لا ينحصر في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإنما يتصل أيضاً ببناء مؤسساتها وتوحيد أرضها وتجديد شرعيتها وتمكينها من ممارسة مسؤولياتها.
ومن هذه الزاوية، فإن الموقف الفرنسي الداعي إلى إجراء الانتخابات في موعدها ينسجم مع هذا المسار الدولي، ولا ينبغي اختزاله في كونه ضغطاً إجرائياً على القيادة الفلسطينية. فالمسألة تتصل بجوهر الشرعية التي ستتولى مسؤولية المرحلة المقبلة، وبقدرة النظام السياسي الفلسطيني على استعادة وحدته وتمثيل شعبه، وعلى التعامل مع المجتمع الدولي من موقع الشرعية المتجددة.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار يتطلب أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وشفافة، وأن تحظى بالضمانات اللازمة لاحترام نتائجها، وأن تُجرى في إطار سياسي وقانوني يتيح للشعب الفلسطيني ممارسة حقه الديمقراطي، ويحافظ في الوقت نفسه على المرجعية الوطنية الفلسطينية والتزامات منظمة التحرير الفلسطينية والشرعية الدولية.
إن أهمية اللحظة الراهنة تكمن في أن المسار الدولي المؤيد لحل الدولتين أصبح أكثر وضوحاً في ربط قيام الدولة الفلسطينية بتجديد شرعيتها وبناء مؤسساتها وتوحيدها. ولذلك فإن التقاط هذه اللحظة فلسطينياً، وتحويل الاستحقاق الانتخابي إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي، يمثل خطوة أساسية في حماية المشروع الوطني من المزيد من التآكل والانقسام.
فالانتخابات الفلسطينية الآن ليست تفصيلاً داخلياً؛ إنها استحقاق وطني، وركيزة لإعادة بناء الشرعية، وحلقة أساسية في الطريق من الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى تمكينها، ومن التأييد الدولي لحل الدولتين إلى العمل الجاد على تحقيقه.
وهذه هي الرسالة الهادئة والواضحة التي ينبغي أن تصل: شرعية فلسطينية متجددة، ونظام سياسي موحد، ومؤسسات قادرة على ممارسة مسؤولياتها في غزة والضفة والقدس الشرقية، تشكل جميعاً أساساً لا غنى عنه للدولة الفلسطينية التي يسعى المجتمع الدولي، وفي مقدمته الجهد الفرنسي–السعودي وشركاؤه، إلى جعل قيامها واقعاً سياسياً وقانونياً قابلاً للتحقق.
د. عبد الرحيم جاموس
رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
20/9/2026 م