لم تكتفِ إسرائيل باحتلال مدينة ميس الجبل الحدودية في قضاء مرجعيون وإلحاق دمار واسع بها، بل أقدمت، أمس الجمعة، على إحراق الطابق الأرضي من مستشفى ميس الجبل الحكومي، بما فيه من مولدات كهرباء وخزانات مازوت وسيارات إسعاف. وكان مستشفى ميس الجبل يقدّم خدمات الرعاية الصحية لنحو 30 ألف نسمة من سكان البلدات الحدودية جنوبي لبنان، من بينها شقرا وحولا ومحيبيب وبليدا وعيترون.
وبحسب مصدر طبي، يضمّ المستشفى 115 سريراً، ويوفّر مختلف الاختصاصات الطبية، باستثناء العلاج الكيميائي وقسطرة القلب، ويبلغ عدد العاملين فيه نحو 100 شخص بين أطباء وكوادر تمريضية وعاملين. وكان المستشفى قد افتُتح بعد حرب يوليو/ تموز 2006
ويقول رئيس بلدية ميس الجبل، حبيب قبلان، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ استهداف المستشفى وإحراق أجزاء منه يأتيان في سياق الاعتداءات المتواصلة على البلدة منذ اندلاع الحرب عام 2023، والتي لم تتوقف، مع استمرار عمليات القصف والتفجير والتجريف التي طاولت البلدة ومرافقها الحيوية. ويوضح قبلان أنّ الحريق الذي اندلع في المستشفى كان ظاهراً بالعين المجرّدة من القرى المحيطة بميس الجبل، نظراً إلى موقعها المرتفع، إذ أمكن مشاهدة النيران من بلدات عدّة في المنطقة، ولا سيما من بلدة شقرا غير المحتلة.
"واحد من أكبر المستشفيات"
ويتابع أنّ المعلومات الأولية تشير إلى إحراق الطابق الأرضي من مبنى المستشفى، إلى جانب خزانات المازوت والمولدات وسيارات الإسعاف الموجودة فيه، مضيفاً، "هذا تمهيد لتفجيره بالكامل، بعد أن كانت قد استحدثت فيه نقطة عسكرية". ويصف قبلان المستشفى بأنه "واحد من أكبر المستشفيات التي كانت تخدم المنطقة والقرى المحيطة بها"، مشيراً إلى أنه يتألف من طابق أرضي يضمّ قسم الطوارئ، وطابقين علويين، إضافة إلى طابق سفلي مخصّص للعمليات.
ويقدّر رئيس البلدية عدد أسرّة المستشفى بنحو 120 سريراً أو أكثر، موضحاً أنه كان يستقبل أطباء من اختصاصات مختلفة ويوفّر خدمات صحية متعددة، من بينها الجراحة العامة، والأنف والأذن والحنجرة، وطب الأطفال، وغيرها من الاختصاصات. وكانت إعادة تأهيل المستشفى وتجهيزه بعد حرب سبتمبر/ أيلول 2024 قد استلزمت، وفق قبلان، جهوداً كبيرة، إذ تلقّى مساعدات وتجهيزات من وزارة الصحة وقوة الأمم المتحدة المؤقتة "يونيفيل" ومنظمات دولية وجهات أخرى، ما سمح بإعادة تأهيله وتعزيز قدرته على تقديم الخدمات الصحية.
ويقول: "تعبنا كثيراً على المستشفى بعد الحرب الأولى، وأتتنا مساعدات من يونيفيل والمنظمات الدولية ووزارة الصحة، وأعدنا تجهيزه، لكن اليوم لم يبقَ منه تقريباً شيء". ولا يفصل قبلان استهداف المستشفى عن حجم الدمار الذي أصاب ميس الجبل عموماً، معتبراً أنّ تدمير المنشآت الصحية والخدماتية والاقتصادية يزيد من صعوبة عودة السكان إلى البلدة. ويقول: "هم يقطعون فرصنا بالعودة إلى قرانا الحدودية"، مشيراً إلى أنّ الأهالي أدركوا منذ نزوحهم أنّ رحلة العودة ستكون طويلة، في ظل استمرار تدمير مقومات الحياة الأساسية في المنطقة.
وكانت ميس الجبل، وفق قبلان، تضمّ إلى جانب المستشفى مئات المؤسسات التجارية، وقدّر عددها بنحو 300 مؤسسة، فضلاً عن المنازل والمحال والمعامل ومؤسسات بيع الأدوات المنزلية والكهربائية والمفروشات. وكانت البلدة تتميّز بحركتها التجارية ومؤسساتها الاقتصادية، إلا أنّ حجم الدمار الذي لحق بها غيّر معالمها بصورة كبيرة. ويختصر قبلان واقع بلدته بالقول إنّ وصف ميس الجبل بـ"المنكوبة" لم يعد كافياً أمام حجم الدمار الذي لحق بها، مضيفاً: "ميس الجبل اليوم ليست فقط منكوبة، بل هي أرض محروقة وصحراء".
ويعتبر أنّ استهداف المستشفى يشكّل ضربة إضافية لقدرة السكان على العودة، إذ إنّ إعادة الحياة إلى البلدة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل وحدها، بل باستعادة الخدمات والمرافق الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية، وفق ما يقول.
صحة لبنان تدين إحراق مستشفى ميس الجبل: "إفلاس أخلاقي"
وفي أعقاب استهداف المستشفى، دانت وزارة الصحة اللبنانية، في بيان، بـ"أشد العبارات وأقساها الجريمة البربرية الموصوفة التي ارتكبها العدو الإسرائيلي عبر إحراق مستشفى ميس الجبل الحكومي، في اعتداء صارخ ووحشي فاضح". وقالت الوزارة إنّ "هذا الصرح الاستشفائي الحكومي، الذي حرصت الوزارة على إعادة صيانته وتأهيله عقب الحرب الأولى، وتزويده بأحدث المعدات والأجهزة الطبية ليكون شريان حياة وملاذاً آمناً لخدمة أهلنا النازحين والصامدين في المناطق الحدودية، يتعرّض اليوم لتدمير ممنهج يُعبّر عن إفلاس أخلاقي وإجرام متأصل، إذ لم يكتفِ الاحتلال بالتمركز فيه سابقاً وتحويله إلى ثكنة عسكرية، بل أقدم اليوم على إحراقه بالكامل لحرمان أبناء الجنوب من أدنى حقوقهم الإنسانية في الاستشفاء والرعاية الصحية".
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي، منذ 2 مارس/ آذار الماضي، استهداف القطاع الصحي في لبنان، رغم الحماية الخاصة التي يتمتع بها بموجب القانون الدولي الإنساني. وباتت المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية ضمن الأهداف الإسرائيلية المباشرة، وصولاً إلى توجيه إنذارات باستهداف سيارات الإسعاف، بزعم استخدامها من جانب حزب الله. وتزيد هذه الاعتداءات الضغط على المنظومة الصحية اللبنانية.