فلسطينيات >الفلسطينيون في لبنان
دعوة المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى الهجرة.. من يقف وراءها ولماذا؟
دعوة المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى الهجرة.. من يقف وراءها ولماذا؟ ‎الخميس 10 08 2017 14:19
دعوة المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى الهجرة.. من يقف وراءها ولماذا؟

جنوبيات

عادت إلى الظهور، مجدداً، دعوات موجهة إلى أهل المخيمات الفلسطينية في لبنان للتظاهر والمطالبة بالهجرة إلى إحدى الدول الغربية، الأوروبية منها، على وجه الخصوص.

انتشرت الدعوات بداية عبر مجموعات الواتساب، ثم تبعتها بعض صفحات الفيسبوك.  وركزت تحديداً على أهالي مخيمي نهر البارد، شمال لبنان، وعين الحلوة، جنوباً.  ولعل التركيز على هذين المخيمين جاء على اعتبار أنهما الأكبر عدداً، إضافة إلى رمزيتهما.  ثمّ ما لبثت الدعوات أن انتشرت في مخيمات أخرى، ولا سيما في الجنوب اللبناني.

واللافت أن الدعوات، التي لم تحمل توقيع أصحابها، حرصت على أن تكون الدعوة إلى التظاهر بعد صلاة ظهر يوم الجمعة، وفي ساحات عامة، بحيث يكفي الذي يريد التقاط صور يظهر فيها تلبية الجماهير لدعواته، أن يقوم بتصوير خروج المصلين من المساجد، وقت الذروة.

وسبق حملة الأمس، نشر واسع لخبر وهمي ومفبرك يزعم مطالبة أحد وزراء خارجية الدول الأوروبية منح الفلسطينيين الذين يتمكنون من الوصول إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي منحهم كافة الحقوق، بما في ذلك الجنسيات.

ويحرص الخبر، الذي لم يُذكر مصدره ولا اسم الصحيفة التي نشرته، على تصوير الأمر وكأن الاتحاد الأوروبي يفتح ذراعيه وينتظر مجرد وصول اللاجئين الفلسطينيين من كل مكان، في تناقض صارخ مع السياسات المعلنة للدول الأوروبية التي ضاقت ذرعاً باللاجئين على أراضيها.

تشير متابعة الطريقة التي تم بموجبها توجيه الدعوات، والخطاب التحريضي الذي تحمله، والعزف على أوجاع اللاجئين الفلسطينيين وآلامهم ومعاناتهم، إلى أن ثمة جهة مدربة ومؤهلة تقف وراءه، وأنها ليست دعوات شعبية كما يتم تصويرها.

وتترافق هذه الدعوات مع حملة مركزة تهدف إلى توجيه غضب الشارع الفلسطيني في مسارات محددة، تطال كل شيء تقريباً: الدولة اللبنانية بسبب تنكرها للحقوق الفلسطينية، الفصائل الفلسطينية بسبب عجزها عن معالجة الواقع، السفارة الفلسطينية في بيروت، وكالة الأونروا بسبب استمرارها في سياسة تقليص الخدمات، بل وحتى الدول الأوروبية التي ترفض فتح أبواب الهجرة.

والأخطر من ذلك، أن بعض الشعارات المرفوعة لا يتورع عن الاستهزاء بحق العودة، وتسخيف هذا الشعار، وإسقاط قدسيته!

لقيت هذه الدعوات ردود فعل مختلفة في المخيمات الفلسطينية.  فمن خلال رصد التعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثمة من يؤيدها، وثمة من يرفضها.  وثمة من يرى فيها شعارات حق أريد بها باطل!

ليست هذه هي المرة الأولى التي تنتشر فيها هذه الدعوات في المخيمات الفلسطينية في لبنان.  في عام 2014، انتشرت دعوات مماثلة، إلا أنها لقيت فشلاً ذريعاً، بسبب عدم التجاوب الجماهيري والشعبي معها.

وثمة من يشير إلى جهة فلسطينية بعينها، ويعتبر أنها تسعى إلى الوفاء بتعهدات قطعتها على نفسها أمام الصهاينة والإدارة الأمريكية، عنوانها: القضاء على حق العودة، مقابل مكاسب ومناصب سياسية.

والتدقيق في الدعوات والبروباغندا الدعائية المرافقة لها، يثير عدداً من الأسئلة:

أولاً – لماذا هذا الإصرار على تحويل المطالبة بالهجرة إلى مطلب جماعي، وإلى قضية عامة؟  فلطالما هاجر الآلاف من أبناء شعبنا، من لبنان وغيره، إلى بلدان أخرى، ولم يعترض على ذلك أحد.  فلا اعتراض على من يريد أن يهاجر، لكن أن يتم تحويل الأمر إلى مطلب جماعي ووطني يطرح سؤالاً هاماً: ما هي الرسالة السياسية التي يحرص القائمون على هذه الدعوات على إرسالها؟  وما هو الثمن السياسي المقابل؟

ثانياً – لماذا يتم تحويل غضب الناس تجاه الفصائل الفلسطينية مجتمعة، وبالجملة، وبلا تمييز؟  وأين هي المصلحة في ذلك؟  لا يشك أحد في أن الفصائل تتحمل مسؤولية وطنية وأخلاقية وفعلية عن واقع المخيمات، إلا أنها ليست مسؤولة بالتأكيد عن تنكر الحكومة اللبنانية للحقوق الفلسطينية، ولا عن سياسات الأونروا.  وبالتأكيد هي ليست مسؤولة عن رفض الدول الأوروبية أو غيرها استقبال مهاجرين على أراضيها، ولا تستطيع أن تجبرها على فتح باب الهجرة.  لا شك أن الفصائل – مجتمعة – مقصرة في الكثير من واجباتها، لكن ليس من بينها أي من هذه الشعارات والمطالب التي تتلطى دعوات التهجير خلفها.

ثالثاً – لمصلحة من يتم اصطناع فتنة للشعب الفلسطيني في لبنان، مع أطراف متعددة، وفي وقت واحد؟  شعبنا الفلسطيني له حقوق من الدولة، ومن الأونروا، ومن غيرهما كذلك، لكن هل تتم المطالبة بتلك الحقوق عبر مثل هذه الدعوات، وإثارة غضب الشارع الفلسطيني ضد الكل، وبلا أي ضابط؟!

الخشية كل الخشية، هي أن القائمين على هذه الدعوات يعرفون تماماً أن هذه المظاهرات والاعتصامات لن توصل فلسطيني واحد إلى الهجرة، ولن تجبر سفارة واحدة على فتح أبوابها.  ما سيبقى من هذه المظاهرات هو الغضب.. الغضب المكبوت نتيجة كل الأوضاع السيئة، والذي يستغله البعض لأجل بروباغندا سياسية، يتاجر بها بالشعب الفلسطيني، دون أن يجرؤ على كشف القناع عن وجهه. 

فلو أن من يقف وراء هذه الدعوات صادق في مشاعره تجاه الشعب الفلسطيني، لكان كشف عن وجهه واسمه، ولكان تقدم مسيرة المطالبة بحقوق شعبنا. 

أما أن يدفع بالناس إلى الشارع، ويضع أهلنا في المخيمات في مواجهة بعضهم البعض، ويلعب على أوتار الغضب الفلسطيني، فذلك يعني شيئاً واحداً: أن هذه الدعوات مشبوهة، ووراء الأكمة ما وراءها!

المصدر : وكالة القدس للأنباء